هذا الموقع مصدر معلومات مستقل وليس الموقع الرسمي لـ «نيو أكروبوليس».
يُستخدم اسم «نيو أكروبوليس» فقط بهدف تحديد موضوع النقد/التحليل.

Home

«نيو أكروبوليس»: الأساطير والخرافات

ru2007,اللغة الأصلية: الروسيةاقرأ باللغة الأصلية
المؤلف: كسينيا كيريلوفامحامية
ترجمة آليةهذه مقالات كُتبت خارج «أكروبوليس الجديدة»

المصدر

الأساطير والميثولوجيا لـ «نيو أكروبوليس»

كسينيا كيريلوفا

يكاترينبورغ، 2007

في الآونة الأخيرة بدأ اهتمام الرأي العام ينجذب أكثر فأكثر إلى ظاهرة من نوع «مدرسة الفلسفة الكلاسيكية "نيو أكروبوليس"». وبوصفها منظمة ثقافية‑تنويرية، تمتلك هذه المنظمة الكثير من الأنصار بين الناس ذوي الثقافة العالية، وهذا، في الواقع، ليس مستغربًا. مجلة «نيو أكروبوليس» «إنسان بلا حدود» مملوءة بصور المعالم التاريخية والثقافية، وباقتباسات من مفكرين وشعراء معروفين، وخلال «محاضرات الفلسفة» تتردّد من على المنصّة خطب غزيرة عن الرحمة والخير والمثل الأعلى والتسامح. تعمل المنظمة بنشاط مع الأطفال الأيتام، وتنظّم حلقات دراسية حول موضوعات غريبة، وتعرض على الشباب الباحث عن ذاته شتّى السبل لتحقيق الذات إبداعيًا. قادة وأعضاء «نيو أكروبوليس» ودودون إلى أقصى حد ولطيفون، مما يفتح أمامهم كثيرًا أبواب بعض الجامعات والمكتبات المرموقة. وتعلن «نيو أكروبوليس» أهدافها كما يلي:

  1. توحيد الناس على أساس مثل الأخوة الشاملة، بصرف النظر عن معتقدهم الديني أو عرقهم أو انتمائهم الاجتماعي.

  2. إيقاظ رؤية شاملة للعالم لدى الناس من خلال الدراسة المقارنة للعلوم ومختلف أنواع الفنون والأنظمة الفلسفية والدينية.

  3. مساعدة كل إنسان على إيجاد الانسجام مع الطبيعة، من خلال تنمية قدراته الداخلية والتعرّف إلى قوانين الحياة (استخدام الحرف الكبير في كلمة «Природа» وارد في النظام الأساسي الرسمي لهذه المنظمة. – ك. ك.).

إذًا، ما هي «نيو أكروبوليس» في الحقيقة؟

بعد الأحاديث مع قيادة المنظمة ودراسة أدبياتها البرامجية المتاحة للعموم يتشكّل لنا حول هذه المنظمة ما يلي:

  1. «نيو أكروبوليس» لا تعتبر أي منظومة واحدة من الرؤى هي الحق المطلق. مهمتها تعريف المستمعين بكل تنوّع الآراء والاتجاهات، من غير إعطاء الأولوية لأي نظام من نظم الرؤية للعالم. فهي توحّد الناس لا على أساس الولاء لبعض المقررات الدينية، بل في ميدان العمل الخيري فحسب.

  2. «نيو أكروبوليس» متسامحة إلى أقصى حد. فهي تحترم جميع الآراء والمذاهب والأديان وتعدّها متساوية، ولا تفضّل دينًا على آخر. وبناءً على ذلك، لا توجد شخصية تُعدّ آراؤها غير قابلة للنقاش.

  3. بناء على ما سبق، فإن «نيو أكروبوليس» لا تمتلك ولا يمكن أن تمتلك أي «تعليم» خاص بها، أي مجموعة محددة من العقائد الدينية المعترف بها على نحو موحّد من جميع أعضائها. وكما تشير في خبرتها بتاريخ 06.12.2006، التي أعدّت بطلب من فرع يكاترينبورغ لـ «نيو أكروبوليس»، الدكتورة في الفلسفة إ. س. إلباكيان، فإن المنظمة «تعمل على نشر المعرفة لا الإيمان» و «يضمّها أناس ينتمون إلى طوائف مختلفة أو لا دينيين». وبالتالي لا يمكن أن يكون لـ «نيو أكروبوليس» تعليم سرّي.

  4. ومن هنا يستنتج أن عملية إلقاء المحاضرات نفسها تُفهم على أنها مجرد نقل لمعلومات معيّنة؛ وفي موضوع المحاضرات يمكن عرض آراء مختلفة غالبًا ما تكون متناقضة حول المسألة نفسها.

  5. تُعرض جميع الوقائع عرضًا صادقًا تمامًا، لأن الهدف الرئيس للمحاضرات هو رفع المستوى الثقافي للمستمعين.

  6. بعد الاستماع إلى دورة المحاضرات يستطيع المتعلّم أن يختار بنفسه أي منظومة من المعتقدات. ويُفهم من «الاستقلال» هنا أن الاختيار لا يُمارَس عليه أي ضغط، بما في ذلك الضغط النفسي. لا بنية المحاضرات ولا سلوك المحاضر تمارس أي تأثير في وعي المستمع ولا تقوده، عبر التلاعب، إلى نتيجة محدّدة سلفًا.

  7. الموقف من العالم المحيط إيجابي تمامًا، لأن «نيو أكروبوليس» تستمد منه القيم الثقافية بالذات.

  8. وهكذا، لا يمكن على الإطلاق تطبيق مصطلح «الطائفة الشمولية» على «نيو أكروبوليس».

إذا سلّمنا بأن جميع النقاط المذكورة أعلاه صحيحة، يبدو حقًا بلا أي أساس موقفُ دارسي الطوائف الذين يصرّون على تسمية «نيو أكروبوليس» عبادةً تدميرية. أقترح، من غير الدخول في جدالات غير ضرورية، أن نقارن هذه الأطروحات بمواد «نيو أكروبوليس» الداخلية ونفحص مدى تطابقها معها.


  1. هل تُعَدّ منظومة واحدة من الرؤى حقًا مطلقًا؟ نجد جوابًا غير مباشر عن ذلك في مقالة مؤسس «نيو أكروبوليس» خورخي أنخل ليفراغا «عن السكولاستيكية» الصادرة في أيلول/سبتمبر 1981 (فيما بعد: «عن السكولاستيكية»)، الفقرة 6 من قسم «للمدرّسين»: «على المدرّس أن يكون واضحًا ومفهومًا في شرحه. لا يكفي أن يعرف الحقيقة، بل يجب أن يكون قادرًا على شرحها، وإيصالها إلى الوعي، وإن اقتضى الأمر، البرهنة عليها. تذكّروا أن الشبان الذين يأتون إلى المدرسة غالبًا ما يكونون مخيّبين في الحياة ويبحثون عن طرق جديدة لتحقيق مثلهم. لا يجوز تحريف التعليم لمجرد الخوف من جرح مشاعر المفرطين في الحساسية، لأن تلاميذنا جاؤوا إلينا بحثًا عن حقائق ساحقة ولا تُقاوَم، لا من أجل بلاغة ضبابية لا تفسّر شيئًا لأحد». وفي قسم «للتلاميذ» يُعلن أيضًا: «اغمر نفسك في الأسرار – ففيها تكمن الحقيقة».

إذًا، في «نيو أكروبوليس» توجد بوضوح منظومة معيّنة من الرؤى تُعَدّ الحقيقة المطلقة، بل وتُسمّى «التعليم». وعليه فإن تصريحات قادة الطائفة حول أن «نيو أكروبوليس» لا تمتلك تعليمًا خاصًا بها تبدو، في ضوء ما سبق، كذبًا سافرًا. بل وأكثر من ذلك، فبحسب التوجيهات الداخلية للمنظمة يتعيّن على المحاضرين («المدرّبين») ألا يؤمنوا إيمانًا راسخًا بالعقيدة المقترحة فحسب، بل أن يبلّغوها في المحاضرات العلنية، مستعملين هذه المحاضرات فقط لغرس قناعات قيادة المنظمة في نفوس المستمعين.

بوصف مثال، نورد مقتطفات من تفريغ جلسة رئيسة «نيو أكروبوليس» في روسيا يلينا سيكيريتش مع «المدرّبين» بتاريخ 02.02.1997 «تجلّي القوانين السبعة في عمل المدرّب» (فيما بعد: «تجلّي القوانين السبعة...»): «المدرّب وفقًا لقانون الوحدة لا ينقل شيئًا من عنده. لا ينقل ما هو خاص به، بل الجوهر. هذه هي النقطة الأساسية. الفكرة التي عليه أن ينقلها ليست له. ووفقًا لمبدأ الانبثاقات، مع الأخذ بعين الاعتبار قانون الوحدة، على المدرّب قبل كل شيء أن ينقل جوهر، فكرة، نموذج الكيان الذي يشكّل جزءًا منه. النماذج الأساسية، الأفكار، اللحظات، ما ندعوه أيديولوجيا الأكروبوليس. هذه هي النقطة الأولى. إذًا مهمتنا الأولى في جميع لقاءاتنا، في المحاضرات، في الأحاديث الفردية، كما يقول "صوت الصمت": "هل وازنت روحك مع...". هل وازنت افتراضاتك، لحظاتك الأساسية مع قلب، عقيدة وفلسفة الأكروبوليس؟ وهنا، من وجهة نظر القانون، من وجهة نظر المدرّب، لا يوجد عشرة آلاف عقيدة. لا يوجد عشرة آلاف فهم مختلف للعقيدة. توجد عشرة آلاف صيغة مختلفة تُعرض ضمنها الأفكار نفسها. وبناء على ذلك، في هذا السياق، فإن المهمة الأولى والأساسية ليست للمدرّب فقط بل وللقيادي أيضًا، ونحن نتحدث الآن في سياق المحاضرة – ألّا يحد عن الطريق، وألا يبتعد، وألا يحرّف. ألا يعطي تأويلات حرة من عنده لا أساس لها، لم تَثبُت بعد، في إطار فلسفة الأكروبوليس نفسها، عبر افتراضات معيّنة، أو كلمات خ. أ. ل.، أو الكلاسيكيين، أو بلافاتسكي، أو كلماتي أنا إلخ». ثم تقول: «لكي يكون الأمر أيسر عليكم ولكي نستطيع أن ننقل ما نسمّيه رسميًا أيديولوجيا الأكروبوليس، سيكون السؤال الأول الذي نطرحه: كيف كان خ. أ. ل. سيفعل ذلك؟».

باستخدام مصطلحات علم دراسة الطوائف، نرى هنا «معرفة طقسية» معيّنة، أي طريقة كونية، بواسطتها يستطيع الأتباع أن يبلغوا السعادة، والاتحاد بالله، والكمال، والعثور على معنى الحياة، إلخ. وإذا قارنا التصريحات الواردة مع النقطة الأولى من الوصف الإعلاني لـ «نيو أكروبوليس» نجد أمامنا خداعًا واضحًا عند الاستقطاب، وهو من أوضح وألصق سمات الطوائف الشمولية. فالسامعون في الواقع يأتون للتعرّف إلى مختلف المفاهيم الفلسفية، لا للتعرّف إلى تعليم مؤسس «نيو أكروبوليس» خورخي أنخل ليفراغا (خ. أ. ل.) الذي يُراد تبليغه إليهم تحت ستار المحاضرات.


  1. هل توجد شخصية مُقدَّسة تُعدّ جميع آرائها غير قابلة للنقاش؟ للإجابة عن هذا السؤال نعود مرة أخرى إلى «لقاء المدرّبين» «تجلّي القوانين السبعة...»: «إذًا اللحظة الأولى التي يجب إدراكها هي أننا نحمل معنا جزءًا من خ. أ. ل. لا أقول جزءًا مني. نحن نتحدث الآن عن الحلقة الرئيسية والأساسية التي تربطنا، لنقل، بعالم النماذج. كنا نقول إن حقيقة إلقاء محاضرة جيدة أو إجراء لقاء جيد، صغير أو كبير، تعني أن نجعل الأمر وكأنّه هو الموجود في مكاننا... النموذج المثالي – أن تتخيّل أنك تعطي لأفكاره أمثلتك أنت، لونك أنت... عندما أُعِدّ محاضرة من وجهة نظر قانون الوحدة أطرح على نفسي السؤال: كيف كان خ. أ. ل. سيوضح ذلك... لكي يكون الأمر أيسر لكم ولكي نستطيع أن ننقل ما نسمّيه رسميًا أيديولوجيا الأكروبوليس، سيكون السؤال الأول الذي نطرحه: كيف كان خ. أ. ل. سيفعل ذلك؟ وأؤكد لكم، أنا مثلاً، لا سيما في اللقاءات التكوينية، عندما أجلس بعد أن أجمع كومة من المواد وأقرأها، أطرح على نفسي دائمًا السؤال الأول: ماذا كان خ. أ. ل. ليقول؟ هذا هو المحور بالنسبة إليّ...».

وتقول في الموضع نفسه: «في مثل هذه الحالات نحتاج إلى سكينة أعمق للنفس. نفس ترتكز على المعلم. هذا هو الكيان الوحيد الذي يمكن للإنسان أن يستند إليه، وما عداه ينبغي أن يفعله بنفسه. أقول لكم هذا انطلاقًا من خبرتي الشخصية الممتدة لعشرين عامًا في إلقاء المحاضرات. وفي كل مرة، قلت لكم هذا عشرة آلاف مرة في جميع لقاءات المدرّبين، أتوتر قبل الفعاليات المهمة، لكن تهدّئني دومًا الفكرة نفسها: كيف كان خ. أ. ل. سيتصرّف؟ وإذا لم أستطع حتى التفكير في ذلك، إذا لم أستطع في حالة الذعر بلوغ هذه الفكرة، توجد آلية تلقائية – كلمة، مفهوم خ. أ. ل. وهذا كل شيء. بعد ذلك أمضي قُدُمًا. ليس: كيف كان سيقول، أو ماذا كان سيقول، أو كيف كان سيشرح، أو عبر أي أمثلة، ولا "ساعدني أو لا تساعدني"، بل فقط: "خ. أ. ل.!" – ونسير. هذا من وجهة نظر قانون الإرادة، قانون الوحدة، العودة إلى الجذور؛ يجب أن يمتلك كل مدرّب هذا بوصفه حالة للنفس. أما أنتم فلكم، إلى جانب خ. أ. ل.، حلقة صغيرة وسيطة أخرى – أنا، ديليا. ولي أنا ديليا وخ. أ. ل. لكن فيما يتعلّق بخ. أ. ل. – فهذا شيء مميّز تمامًا. وعندها سنكون مطمئنين إلى أن عقيدتنا لن تُحرَّف. وسنكون مطمئنين إلى أننا لن نحد عن الطريق، ولن نسمح بحرّيات مرتبطة، غالبًا، بلحظات من شخصيّتنا أكثر من ارتباطها بالنفس الحقيقية».

في «نيو أكروبوليس» لا يُسمَح بأقل قدر من الاختلاف مع مقالات خ. أ. ل.، بل إنه يُعَدّ «معلمًا عظيمًا للبشرية»، مثاليًا وغير قابل للخطأ على الرغم من الوقائع. وأفضل مثال على ذلك عبارة من رسالة «الكلمة الحية» بتاريخ 17.02.1996 (فيما بعد: «الكلمة الحية») الموجّهة إلى القادة: «هذا مثال خ. أ. ل.، خ. أ. ل. العظيم، الذي لم يكذب قط، ولم يكذب حتى وهو يروي واقعة وصول جوردانو برونو إلى زغرب، مع أن ذلك لم يحصل أبدًا». إذًا في العبارة نفسها يوجد ادعاءان متناقضان لا يمكن التوفيق بينهما من وجهة نظر المنطق العادي، ولكنهما ينسجمان تمامًا ضمن منطق الطائفة. فخ. أ. ل. بلا خطأ، ولذلك لم يكذب حتى حين قال ما لم يحدث في الواقع. هنا نرى نظام قيم منحرفًا، أي الإيمان بأن أي وسيلة جائزة ومبرّرة من أجل بلوغ الهدف. ولأجل تحقيق المراد يمكن خداع الإنسان، من غير الاعتراف حتى بأن ذلك كذب. وعامّةً فإن موقف الأكروبوليين من «خ. أ. ل. العظيم» يندرج تمامًا تحت مفهوم الغورو‑ية – عبادة الزعيم الكاريزمي (الحي أو الميت). الغورو «سوبر‑إنسان» يجب إطاعة إرادته بسرعة ومن دون نقاش، ومن ثم يكون أي تفكير مستقل غير مقبول. ووفقًا لأيديولوجيا الطوائف يُعدّ أمرُ الغورو تعبيرًا مباشرًا عن إرادة الله نفسه. ووجود مثل هذا الغورو (شخصًا أو جماعة أشخاص) سمة ملازمة للطائفة الشمولية.


  1. فيمَ يتمثّل تعليم «نيو أكروبوليس»، وإلى أي حد هو سرّي؟ الوصف العام لتعليم «نيو أكروبوليس»، المتكرّر في العديد من المراجع عن الحركات الدينية غير التقليدية والموجود في أغلب مواقع الإنترنت، هو التالي:

يمكن وصف «نيو أكروبوليس» بأنها طائفة توفيقية غنوصية‑وثنية شمولية، تستخدم أعمالًا «خيرية» زائفة كغطاء.

إلى جانب المحاضرات الرسمية والفعاليّات «الخيرية» يوجد في «نيو أكروبوليس» تعليم سرّي، لا يُتاح إلا «للمكرّسين» الذين يُستقطَبون تحديدًا من بين المستمعين والمشاركين في أنشطة «الثقافة». تستند عقيدة الطائفة إلى مؤلفات ليفراغا «الفأس الذهبية» و«متاهات اللازورد»، وهما جزء من مجموعة بعنوان «كتاب المدرّة». تمزج عقيدة الطائفة عناصر من الثيوصوفيا وعدد من العبادة الوثنية (وخاصة اليونانية القديمة). يفرض «نيو أكروبوليس» على أتباعه إدراك قوانين المايكروكوسموس والماكروكوسموس عن طريق دراسة العلوم الباطنية: التنجيم، علم الأعداد، الكف‑قراءة، إلخ. ويُولَى اهتمام خاص لدراسة الميثولوجيا الوثنية والطقوس والشعائر. وفي وعي الناس يجري تشويه القيم الدينية والثقافية التقليدية، ويُنمّى اهتمام غير صحي بالممارسات السحرية والباطنية. ويُعطى مغزى خاص لإقامة الاتصالات مع العوالم الموازية. يؤمن أتباع «نيو أكروبوليس» بالتناسخ واقتراب عهد برج الدلو على الأرض. المهمة الأساسية للطائفة – تكوين «إنسان متفوّق» من الشخص، أي ممثّل «العرق السادس» الجديد من البشر، وهو في جوهره تبرير للتمييز العنصري وأيديولوجيا التفوّق.

مؤسس «نيو أكروبوليس» هو الأستاذ الأرجنتيني الراحل من أصل إيطالي خورخي أنخل ليفراغا (1930–1991)، الذي أنشأ تحت شعار نشر أفكاره ذات الطابع الثيوصوفي شبكةً عالمية متفرّعة، امتدّت منذ أواخر ثمانينيات القرن العشرين إلى روسيا أيضًا. في «كتاب المدرّة» يكتب ليفراغا: «كل كائن حي يمتلك قدرات أكثر أو أقل تطوّرًا ينهَمُّ إلى السلطة. السلطة غريزة النفس مثلما أن غريزة حفظ الذات غريزة الجسد... من يشعر في نفسه بقوة الزعامة لا ينبغي أن يحب الآخرين... على القائد، متى ما اتخذ قرارًا، أن يحقّق ما أراد، بغض النظر عن التكاليف، وفي أقصر الآجال... ينبغي شطب كل ما يخلق في الوعي مركّبات النقص».

«نيو أكروبوليس»، اليميني المتطرّف في توجهه، يمتلك ضمن هيكليته «فيلق أمن» سرّيًا يستخدم في نشاطه طقوسًا خفية ورموزًا فاشية. كان أحد قادة «فيلق الأمن» فيرنان شوارتس يربط افتتاح مرحلة جديدة في تاريخ المنظمة – مرحلة الأعمال الفعلية – بنشاط هذا الفيلق. وفي نشرة يصدرها المكلَّف من شوارتس جان‑مارك ماسي جاء صراحةً: «نعلم أننا نواة تنظيم سينمو إلى جيش هائل، قوّة عظيمة».

نورد بعض الاقتباسات التي تُظهر عناصر معيّنة من عقيدة «نيو أكروبوليس». على وجه الخصوص، ما يلي مقتطفات من كلمة ألقتها يلينا سيكيريتش أمام أعضاء «القوى الحية» (ق.ح – النواة الداخلية للمنظمة) في «التدرّب الصيفي» للقوى الحية عام 1999 عن أصول «نيو أكروبوليس» وجوهره ومهامه (فيما بعد: «التدرّب الصيفي» لق.ح):

«خ. أ. ل. يقول بوضوح إن مهمة الأكروبوليس، في الحقيقة، هي المحاولة المتكرّرة لإعطاء دفعة للعرق الفرعي السادس للعرق الخامس. مهمّتنا نحن معكم، عبر كل ما نقوم به، أن نعطي دفعة للعرق الفرعي السادس للعرق الخامس».

«أول ما يجب أن نفهمه هو أن الأكروبوليس ليس مجرد مدرسة. أن الأكروبوليس أُسِّس بوصفه دفعة جديدة. واحدة من ملايين، من مئات آلاف الدفعات التي تستمر منذ تأسيس المحفل الأبيض العظيم ومنذ أن نزلت إلى عالم البشر كيانات سامية، الأسياد والبرومايثيوسات. [...] والآن، مع أننا لا نقول هذا للأعضاء كي لا يبدو أننا متكبّرون إلخ، إلا أنه في القرن العشرين القناة الوحيدة إلى المعلمين هي الأكروبوليس. كما كان في القرن التاسع عشر المجتمعُ الثيوصوفي. هذه "أسرتنا". القناة الوحيدة، والوحيدون الذين مُنحوا حق الخضوع للامتحانات لكسب مدرسة باطنية – هم الأكروبوليس. وإذا أراد أحد من بين 4–5 مليارات من البشر الذين يعيشون على الأرض أن يدخل في الأسرار، فعليه أن يدخل الأكروبوليس. وأن يجتاز جميع الدرجات، بدءًا من "البرنامج الأبيض"، الدورة الأولى، وأن يصل إلى ق.ح. لأنه من أجل أن يستطيع أحد ما في حياته القادمة أن يحلم أصلاً بالأسرار، فإن الدرجة الأولى التي يجب أن يستحقّها هي ق.ح. وق.ح. هي تلك الحلقة في السلسلة التي كانت تنقص المجتمعَ الثيوصوفي».

«مدرسة التلمذة قوّة عظيمة. هذا النور الذي علينا أن نغدو حمَلةً له، هذا هو. [...] هو الذي يمنح كامل المهمة القوة على الصمود وعدم أن تُسمّى محاولة فاشلة جديدة، كما حصل مع المجتمع الثيوصوفي فورًا بعد موت ه. ب. ب. خ. أ. ل. قد رحل عنّا، ونحن لا نزال متماسكين. اعذروني، لكن هذا تقدّم عظيم، لم يحصل مثله بعد في التاريخ. بفضل وجود ديليا. وماذا بعد؟ يجب أن نواصل نسج السلسلة، وإلا فوداعًا للمهمة. دفعة العرق السادس ستنتظر مرة أخرى لا يعلم الله كم من الزمن. سيظل الناس مرة أخرى ينوحون في فوضاهم، وحيرتهم، ومن دون معايير، ومن دون كثير من الأمور...».

إذًا، «نيو أكروبوليس» منظمة دينية أعلنت نفسها القناة الوحيدة الممكنة للاتصال بـ «القوى العليا». وبحسب ما تقوله يلينا سيكيريتش، أُرسلت كل مدرسة باطنية قديمة من قِبَل هرمية المهاتم بغية إعداد البشرية لولوج العرق الأعلى. تعليم «العرق السادس» يعود مباشرة إلى التعليم الباطني لِبْلافاتسكي، التي يعدّ الأكروبوليّون أنفسهم ورثتها. إلا أنه، رغم كل احترام الأكروبوليين لبلافاتسكي (في المصطلحات الأكروبولية: ه. ب. ب.)، كان خ. أ. ل. يعتقد أن مهمّتها أيضًا فشلت، وأن الدفعة خمدت مع موت ه. ب. ب. ومن ثم فإن مهمة نيو أكروبوليس هي الحفاظ على الدفعة وبالتالي إنجاز ما لم تستطع أي منظمة أخرى في تاريخ البشرية أن تنجزه. تأكيد هذا نجده أيضًا في تفريغ تسجيل جلسة يلينا سيكيريتش مع أعضاء «القوى الحية» عن «الامتحانات» قبيل عام 2000 بتاريخ 25 أيلول/سبتمبر 1999:

«... بدأنا من "الذروة الباطنية"، وتذكّرنا كيف تلقّى خ. أ. ل. المهمة – أن يفعل كل ما في وسعه لكي تسهم المدرسة في الدفعة للعرق الفرعي السادس للعرق الخامس. أن يفعل كل ما في وسعه. وقد تلقّى هذه المهمة على وجه محدّد جدًا... أن يعطي إسهامه في ولادة العرق الفرعي السادس للعرق الخامس... وتذكّرنا، ونحن نتذكّر هذا، أن جميع مدارس الأكروبوليس تقريبًا في هذا العمل الشاق تابعت عمل خ. أ. ل. لأن كلًا منها، بما في ذلك نحن، تلقّت مهمة إعداد نموذج لشيء ما في إطار الدفعة العامة. كل واحد يولّد، ويفتح الطريق، ويجد الأشكال لجزء واحد من الفسيفساء العامة التي لا يعرفها إلا خ. أ. ل. وديليا والله. نحن لا نستطيع فهمها».

وفوق ذلك، يعلن «نيو أكروبوليس» أنه تجسّد جديد لكل المدارس الباطنية والطوائف القديمة، أي لأعضائها وقادتها. وهكذا، وبضربة من قلم خ. أ. ل. يتحوّل جميع المفكرين والفلاسفة القدماء إلى «أكروبوليين»! الشماس ألكسندر كураيف يسمّي هذه الظاهرة «التنصير بين الأموات»: «هذه العادة الغريبة خاصّة بالثيوصوفيين: يجوبون صفحات التاريخ العالمي ليجتذبوا إلى أتباعهم وأنصارهم أكبر عدد ممكن من الشخصيات التاريخية البارزة. فكما يجمع المورمون في أراشيفهم معلومات عن كل الموتى ليعمّدوا أنفسهم عنهم لاحقًا، وبذلك يحوّلون الجميع إلى مورمون، كذلك يوزّع الثيوصوفيون "مكرّمات" بعد الموت على من يشاؤون، من غير أن يعنوا ولو قليلًا إن كان الأشخاص المذكورون يريدون فعلاً أن يكونوا بين الثيوصوفيين. لكن الأموات بلا لسان».[1]

وفيما يلي أمثلة على هذه الممارسات («التدرّب الصيفي» لق.ح):

«يمكن القول إن الأكروبوليس طوال آلاف السنين، في الواقع، كان يتجسّد بالأنفس السامية نفسها، بالأسياد العظام أنفسهم، بخ. أ. ل. نفسه الذي كان يُدعى باسم آخر، وديليا، وإن هذا أحد تجسّداتنا».

«نحن الثيفانيين [...] جميع تعاليمنا، كل معارفنا، كل ذكرياتنا، كل حمايتنا وكفالة الكيانات العظيمة حملناها خ. أ. ل. ومن خلال خ. أ. ل. إلى هذا العالم، إلى هذه الحقبة من طيبة، من مصر... حينها بالتحديد وضع المعلمون والهرمية خطة لمحاولة إعطاء دفعة للعرق الفرعي السادس للعرق الخامس. في عصور مختلفة، وفي أجيال مختلفة، عبر عائلات روحية أو جماعات مختلفة، لكن الأساس كان الأسرة المسماة شعاع الرابع، أو الأسرة الثيفانية، التي ننتمي نحن إليها...».

«كان ينبغي أن تصبح أوروبا مهد العرق الفرعي التالي للعرق الخامس. هكذا وُلد أناكس الشهير الذي ننتمي إليه. وأولئك الذين يرتدون القميص ذي شعار NA يعرفون تمامًا أن في هاتين الحرفين كلمة أناكس».

«أسرتنا تُختار بوصفها حاملًا للمهمة. يُختار الأسياد العظام الذين سيكفلون هذه الدفعات؛ ويُختار إلى جانب الأسياد العظام المكرَّسون العظام؛ ويُختار التلاميذ المقبولون؛ ويُختار النمل الصغير».

«ألا تستغربون لماذا تعاليمهم قريبة منا؟ لماذا، عندما نقرأ الرواقيين، نشعر وكأننا نستمع إلى خ. أ. ل.؟ عندما نقرأ ماركوس أوريليوس، نشعر وكأننا نستمع إلى خ. أ. ل.؟ أو نقرأ سقراط، أفلاطون، نقرأ الكتابات المصرية القديمة؟ كل ذلك يعيش فينا، فنحن لا نقرأه، بل نتذكّره... أحد معاقل أناكس، آخر معقل قوي، كانت الإسكندرية، المدرسة الأفلاطونية المحدثة. وكما قال خ. أ. ل. عندما التقينا به منذ زمن بعيد: افهموا، لا أتباهى، لكن في أسرتنا كان وما يزال الملوك، الكهنة، الفلاسفة، المدرّسون، التلاميذ، السيدات، الفرسان، الشهداء... ماركوس أوريليوس – هذا رجلنا... عصر النهضة، جوردانو برونو – هذا نحن... هذا هو الرجل الذي قام في الواقع، على مفترق القرنين السادس عشر والسابع عشر (كان يعيش، تخيّلوا، في فترة مماثلة لقرننا)، بتأسيس الأكروبوليس حرفيًا من غير أن يسمّيه أكروبوليس. في الأكروبوليس تسري الشائعات، ثمة افتراض أن جوردانو برونو كان أحد تجسّدات المعلّم شري رام، معلّم خ. أ. ل.».

والوحيدون الذين تصنع «نيو أكروبوليس» استثناءً لهم هم الماسونيون: «الماسونيون ليسوا نحن، والروزنكرونيون ليسوا نحن، لكن هذه كانت أيضًا دفعة من الهرمية. هي أسرة فرعية، ليست نحن، لكنها "منا" – من أسرتنا». ويُفسَّر هذا، على الأرجح، بأن بعض المحافل الماسونية بقيت حتى اليوم وقد تستطيع إعلان رفضها المبدئي لانتمائها إلى نيو أكروبوليس.

وتصوغ يلينا سيكيريتش بلا مواربة المهمة التالية لمنظمتها – التبشير، بل التبشير بين أكثر فئات المجتمع تطوّرًا فكريًا: «إذا لم نجذب انتباه أسمى العقول، وبقينا ندور بين أربعة جدراننا، فيمكن اعتبار أن مهمتنا لم تُنجَز. من المهم جدًا أن نحفظ هذا في أذهاننا».

هذا هو ما يُقصَد بعبارة «التعليم السرّي»، لا الإيمان بالتناسخ، كما تحاول السيدة إلباكيان إقناعنا في خبرتها. ومن الإنصاف القول إن المستمعين في ك.ف.ش (مدرسة الفلسفة الكلاسيكية) يتعرّفون بسرعة كبيرة، في غضون عدة محاضرات، إلى نظرية التناسخ، ومادّية الفكر، وقوانين الكارما والدهارما وسواها من بنود التعليم الباطني (أي إن هذا الجزء من التعليم ليس سرّيًا). لكن ينبغي التوضيح هنا أن هذه المعارف تُقدَّم بوصفها معلومات موضوعية في إطار «الدراسة المقارنة للأديان». ولا يُقال للمستمعين إن هذه البنود عقيدةٌ يجري تمريرها على أنها «حقيقة نهائية» لا تُناقَش.

ودليل أن الأمور المذكورة ليست «معرفة» بل قناعات دينية تُغرس في «نيو أكروبوليس» نجده، خصوصًا، في مقتطفات من «لقاء المدرّبين» «تجلّي القوانين السبعة...»: «فلنحاول أن نحفظ في أذهاننا على الأقل ما لدينا في القانون. أذكّركم بالخطط. نبدأ من الأعلى ونهبط إلى الأسفل.

بالنسبة لخطة آتما (الإرادة، القانون) – قانون الوحدة.

بعد ذلك – قانون الاستنارة أو التقديس (خطة بودهي – الحدس).

خطة ماناس (العقل الأعلى) – قانون التمايز.

ثم – التنظيم (كاما‑ماناس – العقل الأدنى).

بعد ذلك – قانون النفسية – الأسترال، النفس.

قانون الفعل والنشاط – برانا، الطاقة.

وأخيرًا، الجميع يذكره – قانون الدورية، الدورات – الخطة المادية.

ما رأيكم، كيف نستطيع تطبيق هذه القوانين على إعداد المدرّب، على نموذج المدرّب؟

إذا تذكرتم، قانون الوحدة هو المبدأ الموجِّه الذي يقود الجميع إلى مصير واحد كوني عبر طريق التطوّر. كما كنا نقول: إذا سأل "كم أنتم؟" تقولون: "واحد". كنا نقول إنه يربط بإدراك الانتماء إلى كيان، صغير أو أعظم، وبإدراك أننا جزء من شيء أعظم. وكنا نقول إن هذا مرتبط بإدراك السلسلة، أي مبدأ الانبثاقات أو نقل النار الذي خُلِق به الكون كله. يوجد المطلق الأولي – النار الأولى. ينقل ناره إلى الثاني، والثاني يولّد الثالث – ينقل ناره».

و«الكلمة الحية» حول مادّية الفكر والكلمة: «إنها الشكل الأنجح، وحتى الآن، في مرحلة تطوّر العرق الخامس، الشكل الوحيد الذي يتجلّى من خلاله المبدأ الخالص للإرادة إلى الخارج... لكي يكون ذلك مفهومًا لكم أذكّركم بلحظة من محاضرة عن العرق السادس. حين تشرح بلافاتسكي أن أزمنة ستأتي لن يكون فيها فارق جنسي، حين سيتجسّد الناس على هيئة من نوع "الخنثى"، وأن أي شكل من أشكال التكاثر، ابتداءً من الجسدي، سيتحقّق عبر تفاعل الفكر – الكلمة... وحين تشرح بلافاتسكي أن الأطفال سيتولّدون بهذه الطريقة، أي لن تكون ثمة حاجة إلى عمل جسدي أو غيره – أريد أن أخلق – أفكّر، أقول في الصورة المناسبة، فيتولّد الشكل تحت تأثير كلمتي. وهذا يُسمّى مبدأ "الكلمة المقدّسة" في فن الخطابة. وعليكم أن تدركوا أنكم، وأنتم تلقون المحاضرة – أية محاضرة – ... يومًا ما، أحيانًا حين لا نعي نحن أنفسنا ذلك، تكون لكلمتنا قوّة الفعل: قلتَ، وبدأت العملية... إذا كنت تتحدث خطأً، فأنت، تبعًا لذلك، تستدعي وتُجسّد ما ليس لازمًا، وتدخل، تبعًا لذلك، في تفاعل مع قانون الكارما الذي له خططه عن الخلق؛ إمّا أن نوافق عليها، وإمّا، إذا أخطأنا الهدف، فهناك العقوبات».

أما عن مدى سرّية التعليم الديني لـ «نيو أكروبوليس»، فمن المناسب أن نورد مقتطفات من مقالة خورخي أنخل ليفراغا «لماذا لا نُعلِّم الباطن بدرجة أكبر؟» (مجلة «باسيون» عدد 81): «... كان من شأن العرض المباشر للجزء الباطني دون التعرّف المسبق بالمعرفة الظاهرية الضرورية أن يحوّل العديد من الشبّان إلى طائفيين ومتعصّبين بدلًا من أن يجعلهم فلاسفة أكروبوليين حقيقيين. لذلك في المرحلة الأولى لا بد من "فلاتر" معيّنة. من دونها قد ينفصل المبتدئون بصورة مفرطة عن عالم الحياة اليومية...».

«لذلك فليظلّ في مملكة الأوهام غير المثمرة ذلك التصوّر القائل إن كل من يُظهر مجرد اهتمام بـ "نيو أكروبوليس" سيحصل فورًا على إمكانية عملية للاتصال الفوري بجوهر الأشياء، بذلك السر الذي هو التصوّف في الفعل. لا الملصقات، ولا النشرات، ولا حتى المحاضرات والقراءة بحد ذاتها ستفتح أمامكم مثل هذه الإمكانية».

«أما عن السؤال لماذا لا نعلّم الباطن بدرجة أكبر، ليس فقط أولئك الذين انضمّوا إلينا حديثًا، بل وأيضًا أولئك الذين على مدى عدة سنوات يعدّون من أعضاء حركتنا، فنحن هنا أيضًا نسترشد بالاعتبارات نفسها تقريبًا التي ذُكرت أعلاه... لا أحد يستطيع، في غضون بضع سنوات، وهو يدرس مرة أو مرتين في الأسبوع، أن يبلغ نقاءً داخليًا كافيًا لتلقّي الحكمة التي كانت على مدى آلاف السنين، كما قطرات الندى الصباحي، تتراكم في الكأس المقدس لزهرة اللوتس الأبيض للمعرفة الباطنية».

إذًا، يفسّر ليفراغا تردّده في إبلاغ الأتباع بالحقيقة عن التعليم الحقيقي للمنظمة التي أنشأها بالقول إنه لن يُستوعَب، بل وسيتسبّب بعواقب مدمّرة. نسمح لأنفسنا بالاستنتاج أن هذا مجرّد حجة واهية. فمجرد وجود معرفة في المنظمة قادرة على «تحويل العديد من الشبّان إلى طائفيين ومتعصّبين» و«قطعهم عن عالم الحياة اليومية» لا يبدو أنه يقلق «خ. أ. ل. العظيم» في شيء. بل وأكثر من ذلك، فإن الشباب يصبحون بالفعل «طائفيين ومتعصّبين» وينفصلون عن الحياة اليومية، وساهم في ذلك إلى حد كبير أن قيادة «نيو أكروبوليس» تمنح نفسها حق تقرير ما ينبغي وما لا ينبغي إبلاغ الأتباع حول الجوهر الحقيقي للمنظمة:

«أنت صغير جدًا، أنت ما زلت طفلًا، ولذا، وفقًا للتقليد الممتد آلاف السنين، نَقدُر لك على قطرات ذلك الدواء القوي – المعرفة الباطنية... لا مجال للارتجال. نعرف جيدًا ما تحتاج إليه، ومتى، وكيف، وبأي مقادير... كل المتخصصين والعارفين بالباطن (لا المثقّفون الذين يثرثرون عن الباطن، بل أولئك الذين يشتغلون به حقًا ويمارسونه)، من ه. ب. بلافاتسكي إلى إيليفاس ليفي، يشيرون إلى ضرورة إدراك السرّ تدريجيًا».

«إن إدراك الأسرار الكبرى يتطلّب الوقت والجهد والتفاني الكامل ونكران الذات. يجب أن تكرّس نفسك كليًا لخدمة المثل الأعلى».

وتثير الاقتباس الأخير بالذات الاهتمام. إذًا على تابع «نيو أكروبوليس» أن يكرّس نفسه بالكامل لخدمة مثل أعلى لا يعرف هو نفسه فيمَ يتمثّل! من الواضح أنه لا يمكن هنا الحديث عن أي اختيار واعٍ، لأن الإنسان ليس لديه أي فكرة عمّا يختاره، وعن ما ينفق عليه وقته وقوّته، وأحيانًا حياته كلها. وحتى عندما يتعرّف لاحقًا إلى بعض بنود التعليم المفروض عليه، لا تكون لديه إمكانيّة التحقّق من مدى صدقها، لأنه يتلقّى المعرفة من مصدر غير موضوعي عمدًا – من أشخاص يؤمنون بها إيمانًا متعصّبًا. في هذه الحالة نكون أمام ما يُسمّى «الانقطاع الباطني» النموذجي. جوهره أنه عند الانضمام إلى الطائفة، عند الاستقطاب، لا يُخبَر الإنسان مطلقًا بالمحتوى الحقيقي لتعليم الطائفة، ولا بما سيحصل لاحقًا.[2] في النتيجة يتبيّن أن الإنسان، بعدما دُعي إلى منظمة معينة، يجد نفسه في منظمة أخرى تمامًا. وبكلمات أبسط، يتّضح أن المنظمة ليست كما بدت في النظرة الأولى. ووجود مثل هذا الانقطاع أيضًا من علامات الطائفة الشمولية. ويجب التنويه بأن «الانقطاع الباطني» في «نيو أكروبوليس» يظهر بصورة أشد كثيرًا مما يظهر في عدد من الطوائف الأخرى.


  1. ما هو بالنسبة إلى العاملين في المنظمة عمليّة إلقاء المحاضرات؟ كما ذُكر في الفقرة 1، محاضرات ك.ف.ش في المقام الأول وسيلة لغرس عقيدة الأكروبوليس، لا مجرد بثٍّ للمعلومات. وقد صيغ هدف هذا التعليم في مقالة «عن السكولاستيكية»، الفقرة 7 من قسم «للمدرّسين»: «على المدرّب‑الأكروبولي أن يبقى دائمًا على مستوى موقعه وأن يشعر بأنه قناة التاريخ. لقد جئنا لنغيّر العالم، لا لنكون مدرسة أخرى من المدارس التي تتكلّم عن الباطن. الباطن وسائر الأمور من هذا النوع ليست إلا جزءًا من نضال الأكروبوليس، مهمّتها إلهام التلاميذ».

وفوق ذلك، فإن عملية التدريس نفسها، بحسب تعليم «نيو أكروبوليس»، ذات طابع صوفي وسرّي:

«الكلمة الحية»: «الإنسان الذي يمتلك فن العمل عبر الكلمة – هو ساحر. ومهما كنّا صغارًا، فالمحاضرة، القصيدة، الأمسية، المجموعة الصغيرة يجب أن تكون شكلًا من الفعل السحري أو الصوفي».

«تجلّي القوانين السبعة...»: «لأن المدرّب في هذا السياق يصبح حقًا كاهنًا وساحرًا، ولا يوجد لا حكيم ولا ساحر ولا كاهن "نصف ونصف"... عندئذ يتحقّق سرّ قانون التقديس الشهير من وجهة نظر المدرّب، لأنه عندما ينقل المدرّب، وهو يلقي المحاضرة، القوّة، يكون يوقظ في الناس قوّة أولية ستسندهم خلال فترة معيّنة. هذه لحظة المحبة‑الحدس، لحظة البركة. إذا كان العظام الحقيقيون يباركون عندما ينقلون قوّة حقيقية داخلية فعلية بلمستهم، فإن المدرّب لديه أداة هي الكلمة المقدّسة».

«الكلمة الحية»: «هذه لحظة الأسرار قبل بداية المحاضرة، حين تستدعون في داخلكم، بصورة رمزية، الصور المقدّسة، تلك التي تلهمكم. وكأنها المرة الأخيرة قبل المعركة، وكل محاضرة هي معركة جديدة، تطلبون البركة، مرة أخرى "عند قدمي المعلم"».

«عن السكولاستيكية»، الفقرة 4 من قسم «للمدرّسين»: «لا تنسوا أبدًا أن التعليم فعلٌ مقدّس، وأن قاعة المحاضرات فضاءٌ سرّي». وهكذا، من وجهة نظر الأكروبوليين أنفسهم، حتى إلقاء المحاضرات ليس فعالية علمانية، بل فعل شعائري سحري.


  1. إلى أي حد تطابق المعلوماتُ الوقائعية المقدَّمة في المحاضرات الواقعَ؟ للإجابة عن هذا السؤال لا بد من العودة إلى نظام القيم المنحرف المذكور في الفقرة 2. ينبغي أن نورد مقطعًا كاملًا من «الكلمة الحية»، لأنه نموذجي للغاية لكل الطوائف الشمولية:

«وكان خ. أ. ل. يعلّمنا أنه في هذا السياق لا بأس من اختراع شيء ما – بعض المعلومات التي لن يتحقّق منها أحد، حتى لو قيل إن ذلك لم يحصل... وبرأيكم، هل كنتم لتضعوا وصمة على خ. أ. ل. لأنه عندما كان يلقي محاضرة "جوردانو برونو" اختلق أمام الجمهور، لكي يسمع بعض أعضاء ق.ح الذين كانوا يخدمون المحاضرة، أن جوردانو برونو كان في زغرب وأسس مدرسة كان نواتها تُدعى "فينيكس" (حينها كانت ق.ح في زغرب تُسمّى "فينيكس")، وأنه من هناك بدأ أول دفعة روحية في أوروبا الشرقية. لكنه كان يقول ذلك بحيث إن أولئك الذين فهموا كلماته لم يروا جوردانو برونو، بل رأوه هو، بل وصدّقوا – ربما حصل ذلك فعلًا، مع أننا نعلم أنه لم يحصل. كل شيء نسبي في الزمان والمكان، والوقائع التي لم تحصل في الواقع، ربما حصلت في مستويات أخرى. لذلك توجد أشياء لا يستطيع المنطق قبولها، لكن شيئًا ما بداخلنا – وهذا ما يُسمّى لحظات الإلهام المقدّس في المحاضرة – يرغمنا على روايتها. هذا مثال خ. أ. ل.، خ. أ. ل. العظيم، الذي لم يكذب قط، ولم يكذب حتى وهو يروي واقعة وصول جوردانو برونو إلى زغرب، مع أن ذلك لم يحصل أبدًا. كانت ديليا تمزح بعد ذلك: "كم كنتُ أرغب في أن يكون قد مرّ فعلًا، لكنه لم يمر"».

إذًا، في «نيو أكروبوليس» لا يُسمَح بالكذب فحسب، بل يُدعى المدرّبون مباشرة إلى الكذب في مجال الوقائع التاريخية، ويُطلَق على هذا الكذب اسم «الإلهام المقدّس». وبالنتيجة يُرغَم المستمع، الذي يريد رفع مستواه الثقافي ومعرفة بعض الأحداث والوقائع التاريخية المحدّدة، أن يقبل على الإيمان بخيالات ليفراغا أو غيره من «مدرّسي» ك.ف.ش، والهدف منها استقطابه إلى طائفة باطنية لا غير.


  1. هل تُستخدم في العمل مع المستمعين أساليبُ للتحكّم بالوعي؟ هذا أحد أهم الأسئلة التي تُطرَح عند النظر في تصنيف منظمة ما ضمن الطوائف الشمولية. وينبغي أن نتذكّر أيضًا أن داخل «نيو أكروبوليس» مستويين من التدرّج: «مدرسة الفلسفة الكلاسيكية» التي تضم دورات نظرية وعملية، والنواة الداخلية للمنظمة المسماة «القوى الحية»؛ ويسمّى مستوى التعليم المقابل «مدرسة التلمذة». تبعًا لذلك تُستخدَم أساليب مختلفة للتحكّم بالوعي على كل مستوى.

في الموقع «نيو أكروبوليس: معلومات للتفكير»، المكرَّس لفضح «نيو أكروبوليس» والموجود على العنوان no-acropol.info (فيما بعد: No‑acropol.info)، عُرِضت بتفصيل في قسمي «التحكّم بالوعي» و«التربية على الطريقة الأكروبولية» أساليب التحكّم بالوعي والتلاعب المستخدمة على مستوى «القوى الحية». أمّا أنا فأودّ أن أتوقّف عند الأساليب الموجودة منذ مستوى ك.ف.ش. فالحقيقة أن المحاضرين يخضعون لتدريب تفصيلي يتعلّمون فيه أساليب الإيحاء والتحكّم بالوعي والتقنيات الإيحائية‑التنويمية.

في «نيو أكروبوليس» تحكّمٌ بالعواطف متطوّر جدًا، ويتجلّى في شكلين:

  1. كسب الثقة بأبسط أشكاله، عندما يسعى المدرّب بنشاط إلى أن يجذب إليه الجمهور عاطفيًا بحيث يحتاج المستمعون إليه ولا يتخيّلون حياتهم من دونه. ويمكن استخدام أي أساليب لتحقيق ذلك: من «قصف الحب» الابتدائي إلى غيره من تقنيات التلاعب. وكما في سائر الطوائف الشمولية، «الغاية تبرّر الوسيلة»:

«تجلّي القوانين السبعة...»: «أن تتوقّعوا بعض لحظات استمالة الناس إليكم. أن تخلقوا في بداية المحاضرة ما يسمى الروابط غير المرئية التي ستمكّنكم بعد ذلك من بلوغ المحاضرة أو اللقاء إلى نهايته. تتمثّل مهمّتكم في هذا السياق في أن تصبحوا بالنسبة إلى الناس، لا سيما إذا كنتم تعملون معهم طويلًا كمدرّبين، قريبين وأليفين. حتى إنهم قد لا يتحدثون معكم إطلاقًا، لأن المستمعين في المحاضرات الكبيرة لا يصلون إليكم. حتى إنكم ربما لا تمتلكون معهم أي تواصل لفظي أو تواصلًا قليلًا جدًا. لكن عليكم أن تفعلوا كل ما في وسعكم لتصبحوا بالنسبة إليهم، لا سلطة وحسب، بل شخصًا "منهم"، من دائرتهم. ولا يعني ذلك أن تكسروا الجليد الأولي فحسب، بل أن تبنوا المحاضرة، لا سيما الجزء الأول من اللقاء أو اللقاءات الأولى، إذا كنتم ستديرونه باستمرار، بحيث يحبّونكم... وبحذر، أن تكسبوا استمالة الناس...».

من وجهة النظر الأخلاقية نرى هنا لا أخلاقية واضحة: ليس أن يحبّ المدرّب تلاميذه، بل أن يثير حبهم له بأي وسيلة، بغية صناعة تبعيّة كاملة لديهم نحوه.

  1. استدعاء مشاعر معيّنة باستعمال تقنيات تُنسَب تقليديًا إلى التنويم الإيحائي الإريكسوني:

«تجلّي القوانين السبعة...»: «عبر العواطف عليكم أن تستدعون التفاني للمدرسة، للحلم، للمعلم، حالة التفاني للجمال. لذلك يُقال إنه في سياق المحاضرة، الدرس، وهذا فن من أعلى درجة، يجب التخطيط الواعي لكي تكون في سياق الدرس لحظات ما يُسمّى "الصدمات العاطفية"... يمكن أن تكون هناك لحظات ناعمة جدًا، جميلة، مثيرة، تحدثنا عن هذا في الماراثونات السابقة، دموع، إمّا من الإحساس بالعطف، أو من اليأس، أو حتى ليس من اليأس، بل من إدراك مدى عمق سقوطك بحسب معيار معيّن... أو يمكن أن تكون لحظات قوية، عالية الانفعال. وهذا يشمل كل السلم من جهة الصوت وكل شيء آخر، لكنه مسألة تدريب يحصل عادةً عبر ضربات مفاجئة عندما يكون المستمعون أقل ما يتوقعون. إنها لحظة رقيقة لكنها مهمة للغاية، خصوصًا إذا كان الموضوع عن الجمال. هنا يتذكّر القدامى فيرنان شوارتس. كلهم "هي‑هي‑هي"، "ها‑ها‑ها"، أحسنت، نعم‑نعم‑نعم، وفي النهاية – AVE!!! عندما لا تشعرون، يرتفع الصوت وقوّة الكلمة، ويعمّ الصمت في القاعة، والجميع ينظر إليكم، وترون أنكم تبلغون الذروة؛ قبل ذلك يجب تهدئتهم أولًا. تهدئة، "لا‑لا‑لا" جميلة، ثم تشعرون باللحظة – "ضربة". ثم تهدئة ثانية، إرخاء، إضحاك وما إلى ذلك. لكن هذه اللحظات العاطفية في المحاضرة، الجميلة والقوية، يجب أن تُخَطَّط... يجب أن تحكيَ بصور، مع بعض التزيين».

«الكلمة الحية»: «إذًا تأتي ذروة الإدراك، نضرب في الوعي، يجب أن نفتح لهم العيون، نضرب في الماناس، في الوحي، الفهم: "يمكن النظر إلى هذا من زاوية أخرى، كيف لم أفكر في ذلك..." ونقود إلى حالة من التشبّع الزائد. عمدًا، ندخل بعض اللحظات الصعبة أقرب إلى الاستراحة، لا سيما قرب نهاية المحاضرة. وحين تشعرون ببداية التشبّع الزائد، التعب، الحدّ حين لا يعود الناس يتلقّون شيئًا، يجب عندها استخدام المرحلة الأخيرة، حين يتضاءل الإدراك المنطقي ويبدأ نوع آخر من الإدراك، لتضربوا في العاطفة وفي القلب. في العاطفة وفي القلب. هذا قبل الاستراحة إلزامي، وقبل نهاية المحاضرة إلزامي. أي في الجزء الذي لا يفهمون فيه شيئًا على أي حال، يجب أن تستدعوا فيهم، عبر هذا الاستنتاج أو ذاك، عبر هذه الحكاية أو تلك، "مشاعر" صوفية، نوعًا من التفريغ، الكاثارسيس. ويجب أن تقودوا المحاضرة إلى هذا وعيًا، مستغلّين بالذات تلك اللحظة التي يتوقّف فيها المنطق، ويتوقّف العقل عن العمل، ويتشبّع ويدخل في الفعل آليات أخرى. وحين يسألوننا: لماذا تحفظون الأكثر إثارة للاهتمام إلى نهاية المحاضرة، تفهمون الآن لماذا. الأكثر إثارة لا يُشرَح، بل يُنقَل عبر هذا النوع من الكاثارسيس. وفي هذا السياق يمكنكم بناء المحاضرة بحيث تكون المحاضرات كلها بسيطة: جزء – مدخل، جزء – ذروة، نضرب في الوعي، وجزء ثالث – العاطفة. أما أعلى الفنون فهو أن تبنوا المحاضرة وفق عدد من الموضوعات الكبرى، وداخل كل موضوع كبير تريدون الكشف عنه تبنون هذه الدورات الصغيرة: مدخل – نضرب في الوعي – عاطفة – إرخاء. ثم لحظة ثالثة: مدخل – نضرب في الوعي – عاطفة – إرخاء. وفي سياق المحاضرة العامة يوجد مدخل واضح، وضرب واضح في الوعي، وعلى أي حال في النهاية عاطفة – مشاعر عالية، مزاج عال؛ يجب أن يكون هذا مماثلًا لما بعد حفل لمعلّم عظيم. حين نبلغ هذا، سأستطيع القول إنكم مدرّبون عندي».

إذًا، ها هنا وصف صريح لعملية التحكّم بالوعي: تعطيل التفكير المنطقي، محاولة المخاطبة للحس العاطفي وحده، تناوب اللحظات الذروية مع فترات الإرخاء النفسي. وفي مثل هذه التدريبات يُحدَّد أيضًا الهدف المطلوب – أفكار ومشاعر محدّدة ينبغي أن تكون لدى المستمعين بعد المحاضرة:

«تجلّي القوانين السبعة...»: «وفي هذا السياق، من وجهة نظر المحاضرة، يجب أن تبلغوا الحالة التي تعيشون فيها من محاضرة إلى محاضرة، ويعيش فيها تلامذتكم وناسكم من لقاء إلى لقاء بكم. هذا ما يُسمّى اللوغوس الثاني أو مبدأ التقديس، أو أعلى فن. فهم لا يتعلّقون بكم بعد، ولا يكونون تابعين لكم، لكنهم يأتون إليكم كنبع يمكن أن ينهلوا منه ويواصلوا عيشهم. وحين يشعرون بالعطش مجددًا يعودون ويعيشون من خلالكم. وإذا لم تحققوا هذا، فلن يكون من المدرّبية أي فائدة».

ولكي يُحقَّق ذلك بنجاح أكبر، يُلقَّن المستمعون ما يُسمّى «لغة الطائفة الخاصة». يقول أبرز دارس روسي للطوائف ألكسندر دفوركين: «من بين ما كشفه أورويل أيضًا قانونٌ مفاده أن من يسيطر على لغة شخص يسيطر على وعيه. فبالانضمام إلى أي طائفة يبدأ الضحية في التحدّث بلغة الطائفة. في حالتنا قد تكون اللغة الروسية، لكن يحصل فيها تحوير دقيق للمفاهيم، حين تكتسب الكلمات الرئيسة معنًى آخر، ويبدأ التابع لا إراديًا في التفكير ضمن فئات الطائفة».[3] هذا تحديدًا ما يحصل في «نيو أكروبوليس». قيادة نيو أكروبوليس لا تخفي أنها تلقّن المستمعين مصطلحات اللغة الجديدة بهدف تكوين نظام جديد مشترك للتفكير والإدراك.

«تجلّي القوانين السبعة...»: «القانون التالي هو قانون النفسية، الذي يتحدث، من وجهة نظر المدرّب، عن عملية خلق أشكال أسترالية‑ذهنية جماعية. ما هي هذه العملية نظريًا؟ إنها تقوم على أنه إذا كانت هناك أفكار ولحظات لا ينبغي للإنسان أن ينساها أو يجب أن تكون حاضرة دائمًا في حياته وتصبح محرّك إدراكاته ووحيه، فعليه أن يجعل كلمات معيّنة، مصطلحات معيّنة، من مفرداته، من تعبيراته المتكرّرة في الحياة اليومية، وموضوعًا للنكت، والمشاهد، والتهنئات، والنخب. هذا ما يُسمّى الشكل الأسترالي‑الذهني الجماعي... مفهوم "الحلم"، تذكّروا كم مرّ علينا، أو "المدينة الذهبية". الآن يقول جميع الأعضاء، لو أيقظتهم، أيًّا كان، من أي مركز من مراكز المدينة: "الحلم، دون كيشوت، المدينة الذهبية، الأمل، خ. أ. ل.، الصبر، الأمل شكل الإيمان"، – عبارات مجنّحة، ليس لها أهمية في استعمالها نفسه، بل كدليل، كراية، كنتيجة أن شيئًا ما قد أصبح النفس الجماعية، أي الشكل الجماعي للتفكير والإدراك. وهذا، طبعًا، مهمة شاقة من جهة، لكن عندما تلقون المحاضرة أو تدرّسون الدرس، يجب أن تفعلوا بحيث تعودون إلى هذه الأشكال الأسترالية‑الذهنية، تغذّونها، لكن بحذر، من غير إثارة الاحتجاج، من غير الوعظ، من غير إلقاء الخطب. وفي الواقع، كما كان يقول خ. أ. ل.، فإن خلق الأشكال الأسترالية‑الذهنية الجماعية، أو ما يُسمّى مصارف الشحن، التي تعمل بعد ذلك بنفسها، كدايفات صغيرة، حراس، يقوم في أساس العمل مع العواطف في سياق المحاضرة أو الدرس». لا حاجة إلى تعليق...

ومن الإنصاف القول إن التحكّم بالعواطف يُطبَّق بالقدر نفسه على المدرّبين أنفسهم، حيث يُدفَعون إلى حالة من الحماس المتعصّب والتفاني الكامل:

«تجلّي القوانين السبعة...»: «يجب أن يكون المدرّب مريضًا باستمرار... يُسمّى هذا أن يكون مريضًا بالفكرة. مريضًا بالمدرّبية نفسها... وعلى الرغم من أن هذه العبارة قد قيلت عشرة آلاف مرة من زوايا مختلفة، فإن المدرّبية رسالة، يجب أن تعيش بها... وكل لقاءاتنا للمدرّبين والمجموعات الصغيرة والمحاضرات ليست سوى اختبار، بغية اكتشاف الكهنة، سادة التفاني، على مدى سنوات عديدة... هذا هو المحور، القناة، هذا ما نعيش من أجله».

وإلى جانب السمات المذكورة يُنسَب إلى التحكّم بالعواطف أيضًا زرع الفوبيا، أي غرس المخاوف اللاعقلانية. والفوبيا التقليدية هي الإحساس بالذنب والخوف من الخروج من الطائفة.

ينبغي الإشارة إلى أن هذه الفوبيا تُزرَع بنشاط كبير في أعضاء ق.ح. يذكر أصحاب موقع No‑acropol.info في قسم «التحكّم بالوعي»:

«حتى بعد اتخاذ قرار الخروج من "نيو أكروبوليس" لا يستطيع الإنسان، كقاعدة عامة، أن يتخلّص تمامًا من فكرة أنه يخون "المثل الأعلى"، والأشخاص الذين وضعوا ثقتهم به (سواء القادة أو التابعون أو الزملاء)، ونفسه (روحه الخالدة). داخل ق.ح يُنظَر إلى خروج الإنسان (في الغالب بصورة غير معلنة) على أنه خيانة – وهذا لا بد من أن يؤثّر في أولئك الذين يميلون إلى الخروج من المنظمة، لكنهم لم يتخذوا بعد القرار النهائي...

حياة الإنسان الذي أعاد بناء نمط حياته وشخصيته نفسها على "نيو أكروبوليس"، بعد الخروج من المنظمة، لا بد أن "تتفكّك إلى قطع". فهو يجد نفسه مضطرًا إلى البحث عن نظام قيم جديد، عن دائرة علاقات جديدة، كثيرًا ما عن عمل جديد، والتأقلم مع الحياة "العلمانية". طبعًا، هذا ليس مخيفًا إلى هذا الحد – لكنه يبدو كارثة رهيبة للإنسان الخاضع لتأثير دائم من جانب المنظمة.

أما عن الروح، فوفقًا لنظرية "نيو أكروبوليس"، فإن الإنسان الذي يرفض "رسالته" ويخون العهد المقطوع، يخسر على الأقل هذا التجسّد (يُهدر حياته عبثًا)، وفي تجسّده القادم سيكون من الصعب للغاية عليه أن "يعثر مجددًا على "سِربه" (أخوّته)" – والحياة من دون ذلك "بلا معنى وفارغة". وفضلًا عن ذلك، يُعتقَد أنه، "بخيانته "نيو أكروبوليس"، يفقد الإنسان إمكانية اجتياز "تطوّر مُسرّع" تحت إرشاد المعلمين ويُضطر إلى التطوّر ببطء "مثل جميع الناس العاديين" – وهذا ضربة في إحساس "الاختيار" وفي الغرور الذي يُزرَع في "نيو أكروبوليس" في صيغة معقّدة».

وبالفعل يُدفَع التلاميذ إلى فكرة أن الطريق الوحيد الممكن لتطوّر البشرية (الدهارما) يمرّ عبر «نيو أكروبوليس»، وبالتالي، بصرف النظر عن خيار الإنسان، سيتعيّن عليه أن يسلك هذا الطريق. بحسب أيديولوجيا «نيو أكروبوليس» لكل إنسان «سفاد‑دهارما» – «قانونه الخاص»، الذي يرمز إلى رسالته. لذلك فهو، لو ترك المنظمة، لن يغيّر رسالته بذلك، بل سيجعل طريقه إلى تحقيقها أشدّ تعقيدًا:

«عن السكولاستيكية»، الفقرة 1 من قسم «للتلاميذ»: «اقبلونا كما نحن، أو اختاروا سُبُلًا أخرى واذهبوا مع الله. وليته لا يترككم من غير سند، وبفضل نعمته تعودون إلينا في واحدة من الحيوات اللاحقة». ومن اللافت أن هذه الفكرة تكاد تتطابق حرفيًا مع أحد شعارات زعيم إحدى أخطر الطوائف التدميرية – طائفة السيانتولوجيا (الديانتيك) ر. هابّارد: «إمّا أن تخرج بعيدًا، وسنلتقطك في حياتك القادمة، وإمّا أن تبقى معنا وتكون أسعد بكثير في هذه الحياة».[4]

ويُزرَع إحساس الذنب عن أي «تقصير» أمام «نيو أكروبوليس» (لا عن الخروج من المنظمة فقط) بقوة كبيرة أيضًا:

«عن السكولاستيكية»، الفقرة 6 من قسم «للتلاميذ»: «لا تَلْعَب معنا، لأنك بهذا تلعب بمصيرك وتُهدر عبثًا تلك المحبة التي تُمنَح لك هنا. إذا لم تتعلّم شابًا أن تتعامل بجدّية مع المقدّس، فستجد نفسك عند الكبر في فقر روحي. هذا ليس تهديدًا بل تحذير من فاعلية قانون الطبيعة، الذي لا يقلّ حتمية عن فاعلية الجاذبية أو نظرية فيثاغورس».

أما على مستوى ك.ف.ش فالفوبيات ليست قوية إلى هذا الحد، وتتعلّق أساسًا بالبحث عن معنى الحياة. يرتبط «نيو أكروبوليس» في وعي الشباب بقوّة مع بداية البحث الروحي ومع رؤية معيّنة للعالم. وبناءً على ذلك فإن ترك المنظمة يعني بالنسبة إلى الشبان والفتيات عودةً إلى الفراغ واللا‑روحية، وخسارة إمكانية الاقتراب من المثل الأعلى.

ومن الواضح أنه، في ظل هذه المعالجة النفسية القوية، لا مجال للحديث عن وعي حقيقي، فضلًا عن حرية الاختيار.

تُستخدم بنشاط في «نيو أكروبوليس» أيضًا أنماط أخرى من التحكّم بالوعي، ومنها التحكّم في التفكير. فعلى مستوى ك.ف.ش يتجلّى ذلك أولًا في البنية الخاصة للمحاضرة نفسها، حين تُستخرَج قسرًا سمات مشتركة في مفاهيم فلسفية مختلفة، وغالبًا متناقضة، بغية دفع المستمع إلى فكرة أن كل هذه المفاهيم تتحدّث عن الشيء نفسه، أي عن تعليم خورخي ليفراغا. وهكذا يُفرَض على المستمعين استنتاج ليس نتيجة تفكيرهم وتحليلهم. وللحفاظ على هذه «الوحدة» توجد توجيهات تفصيلية:

«تجلّي القوانين السبعة...»: «لكل محاضرة أُلقيها، لكل لقاء، يجب أن يكون أساس في المحاضرات السابقة. إذا كنت أُلقي عن الرواقيين، فلا يمكنني أن أُلقي عن الرواقيين من غير أن أحيل، ولو بصورة غير مباشرة، إلى المحاضرة السابقة التي كانت عن بوذا، ولو أن شخصًا آخر ألقاها. بصورة غير مباشرة. أي أن أربطها في سلسلة واحدة وأحيل إلى ذاك الذي قاد الدرس قبلي... هذا لكي تستطيعوا أنتم، وأنتم تقودون لقاءكم، أن تستخلصوا الاستنتاجات وأن تعدّوا الناس للمحاضرة التالية. لا بالكلام فقط. أن تهيّئوا الأرضية للمدرّب التالي، للدفعة التالية، للموضوع التالي. وأن تُدخِلوه في خطابكم. المغزى (وأنا أتحدّث الآن على المستوى الأفقي) أن ننجح أنا وأنتم في خلق سلسلة من الدفعات».

وإلى جانب خلق «وحدة» مصطنعة للأفكار الواردة في موضوعات مختلفة، تُخلَق في «نيو أكروبوليس» أيضًا وحدة مصطنعة في إدراك المعلومات:

«تجلّي القوانين السبعة...»: «توحيد المجموعة يعني خلق نفس جماعية صغيرة في المحاضرة، في اللقاء، أو شكل جماعي، إن تذكّرتم. أو إيقاظ النفس الجماعية. وألا تتوجّهوا إلى الأفراد بل إلى النفس الجماعية للمجموعة. وتأثير هذا التوجّه أن ما تقولونه سيُسمَع، لكن من الجميع... وإذا نجحتم في تحقيق هذه الوحدة للمجموعة، النفس الجماعية للمجموعة، فإن اللاوعي الجماعي سيوزّع على كل فرد تقريبًا ما هو راهن بالنسبة إليه... أي ليس مجرد محاولة أن يفهموا شيئًا، بل أن تُعلِّموا المجموعة كلها أن تبلغ مقاربات مشتركة في الفكر والعاطفة. أي أن تعملوا معهم على ما يُسمَّى المستوى النفسي. بحيث يتعلّمون، وهم يستوعبون المعلومات، التفكيرَ والشعورَ والتمييزَ والاستجابةَ تبعًا لذلك لكل ما يحيط بهم. وهنا، في هذا السياق، كنا نتحدّث، وخ. أ. ل. يقول، لا سيما للمدرّبين: أنكم، وأنتم تلقون المحاضرة، تعملون في الوقت نفسه مع أنظمة التفكير، مع الصور، أو مع أنظمة الإحساس، وتحاولون تحويلها».

وعلى مستوى ق.ح يكون التحكّم في التفكير أشدّ صرامة. كما يشير أصحاب موقع No‑acropol.info في قسم «التحكّم بالوعي»، يوجد في المنظمة حظر مباشر على التفكير النقدي:

«في أصل كل "شك" يكمن... كاما‑ماناس الخبيث (مصطلح باطني يرمز إلى العقل الإنساني العقلاني)، وهو مصدر الأوهام ويقود "التلميذ" إلى الاستنتاجات الخاطئة والتخبّطات. لا يجوز الثقة به، والاعتماد عليه حماقة؛ وفي الواقع، هو "الشيطان" نفسه الساكن في الإنسان والمُغري له، والراغب في إبعاده عن الطريق القويم. يمكن استخدام العقل أداةً فقط لحل المهمات العملية "التي يفرضها الروح".

«إذا أردت أن "تتعرّف" إلى المعلم، أن تصبح تلميذًا حقيقيًا، "يجب أن تخرج إلى ما وراء حدود العقلانية" – غالبًا ما يُصاغ هذا بعبارات من نوع "الاستماع إلى قلبك"، "الصوت الداخلي"، "الحدس" إلخ. ويُعتقَد أن القلب، بخلاف العقل، المرتبط بروح الإنسان (روحه الخالدة)، هو مصدر الدفعات الوحيدة الصحيحة للتطوّر التقدّمي. وفي الوقت نفسه تعتمد القدرة على "سماع الصوت الداخلي" الذي يُعادل غالبًا "صوت المعلم" على مدى كون الإنسان "تلميذًا صالحًا". أي إن القادة يمتلكون هذه القدرة بدرجة أعلى بكثير من أعضاء ق.ح العاديين. لذلك غالبًا ما يُنصَح الإنسان صراحة بالاستماع إلى قلبه، لكن من غير الاعتماد الشديد عليه، بل الثقة بشكل كامل فقط بقادته.

وعمومًا تُستعمَل في "نيو أكروبوليس" كلمة "النقد" بوصفها شتيمة تقريبًا. "النقدية" في المقام الأول في قائمة الصفات غير المسموح بها وفق "ميثاق شرف الأكروبولي". يُعتبَر النقد مسبقًا مظهرًا من مظاهر الطموح الشخصي، وعلامة على أن الإنسان "تلميذ سيّئ".

فمثلًا، يُقال للإنسان الذي ينتقد قائده لقراراته الغبية، واستبداده، وغلظته، إلخ، إن التلميذ الجيّد، الذي تعنيه الأخوّة والوحدة وتحقيق المثل الأعلى العظيم، لن ينحدر أبدًا إلى النقد».

نورد مثالًا واحدًا يؤكّد هذا. «عن السكولاستيكية»، الفقرة 1 من قسم «للتلاميذ»: «لا داعي للانشغال بالتشكيك والنقد ونشر آرائكم الخاصة، وإلا ستُطرَدون من الباب نفسه الذي دخلتم منه». وهكذا يكون الضغط النفسي على أي إنسان يشكّ في غاية القوة، بحيث يفضّل أن يكتم شكوكه على أن يفقد «معنى حياته» و«رسالته» – «نيو أكروبوليس».

أما عن الموقف السلبي من التعاليم والمعتقدات والأديان الأخرى، فيتجلّى في نيو أكروبوليس بصيغة خاصة. فلا يُطلق على أي دين علنًا لقب «دعاية إبليس»، ومع ذلك، من وجهة نظر الأيديولوجيا الأكروبولية، لا يمكن أن يكون أي دين آخر حقًا في الجوهر. وكما يؤكّدون في «نيو أكروبوليس»، يحتوي كل دين على «قيم إنسانية عامة» ومجموعة من الرؤى «البشرية» التي تحمل طابعًا ثانويًا وتخدم فقط لتقسيم الناس. طبعًا مجرد الإعلان أن التعليم الحق موجود فقط في أيديولوجيا «نيو أكروبوليس» (بالنسبة إلى منظمة دينية) لا يُعتَبَر تدميريًا. ما يثير القلق هو تكوين موقف سلبي تجاه الدين بوصفه عاملًا لتقسيم المجتمع، وظاهرة تُبعِد الناس عن «القيم الحقيقية». ويعدّ أعضاء «نيو أكروبوليس» توحيد الأديان شرطًا لا بدّ منه للتطوّر المستقبلي، ومن ثم تُعدّ أي منظومات دينية تقليدية تحافظ على خصوصيتها تلقائيًا أعداءً للمنظمة وتعرقل أهدافها.

وينتمي إلى أنماط التحكّم بالوعي أيضًا التحكّم في السلوك، أي نظام التزامات ومحظورات معيّن، الهدف منه تنظيم حياة التابع بأقصى قدر من التفصيل وملء وقته بالكامل، من غير ترك مجال للتفكير النقدي بما يجري. في «نيو أكروبوليس» يُطبَّق تحكّم السلوك بصورة واسعة جدًا على مستوى ق.ح. يصف موقع No‑acropol.info هذا في قسم «التحكّم بالوعي» كما يلي:

«العبء اليومي للتابع المتوسط من ق.ح يتجاوز عبء الإنسان "العادي" تقريبًا بمرّتين. إضافة إلى الانشغال في العمل (أو الدراسة) لديه التزامات في "نيو أكروبوليس" تتطلّب وجوده المنتظم في مقرّ المنظمة.

رسميًا يُطلَب من أعضاء ق.ح العاديين العمل في "نيو أكروبوليس" مرتين على الأقل في الأسبوع؛ ولكن عمليًا يُعتبَر في فرع موسكو أن الأشخاص الذين يلتزمون بهذه الوتيرة عادةً "غير نشطين". فرصهم ضئيلة للغاية في أن يكونوا قادة يومًا ما، ويمكن أن يكونوا منفذين فقط لأوامر الأعلى؛ وفوق ذلك يشعرون أنهم "خارج حياة المدرسة"، وهذا شعور مؤلم. معظم القادة في المستوى الأدنى يعملون عادةً في "نيو أكروبوليس" كل مساء في أيام الأسبوع وطوال عطل نهاية الأسبوع. أما القادة في المستويين المتوسط والأعلى فيقضون عادةً معظم الوقت في "نيو أكروبوليس": في الغالب ليس لديهم التزامات جديّة خارج المنظمة (تتشكل الأزواج غالبًا من الأكروبوليين، والعلاقات مع الأقارب تكاد لا تُحفَظ، ويعمل معظم القادة في شركات أكروبولية أو هياكل أخرى مرتبطة بها).

يُجرى عادةً في كل سبت في "نيو أكروبوليس" لقاء عام طويل لق.ح، ثم لقاءات في مجموعات صغيرة، ويُخصَّص ما تبقّى من اليوم للعمل العملي. وهكذا ينبغي أن يقضي الإنسان في "نيو أكروبوليس" يومًا واحدًا على الأقل من يومي العطلة...

قبل النوم يجب على كل أكروبولي من ق.ح أن يحلّل يومه المنصرم ويُدخِل ملاحظة في دفتر يومياته. وعلى مدى عدة سنوات كان ملزمًا أيضًا بملء "الجدول"؛ ومنذ وقت ما لم يعد ملء "الجداول" إلزاميًا. وهكذا يكون حتى ذلك الجزء القصير من الوقت الذي يقضيه الإنسان "وحده مع نفسه" منظّمًا: يجب أن يفكّر في مواضيع مرتبطة بتقييم مدى تطابقه مع معايير "التلميذ" (مفهوم "التلميذ" في آن معًا هو تسمية لأعضاء ق.ح وتعريف لذلك المثل الأعلى الذي ينبغي لهم أن يسعوا إليه عبر تحسين الذات).

وإلى ذلك، كانت "الجداول" تُحدِّد إلى حد كبير اليوم كله للأكروبولي: تنظّم وقت النوم وتناول الطعام، وتفرض مراقبة العواطف والأفكار وعيش اليوم بصورة "مكثّفة" (أي أن يكون كل لحظة إمّا مكرَّسة لعمل معيّن، وإمّا للتفكير في موضوعات محدّدة). يوصى بملء "الوقت الفارغ" (الرحلات في وسائل النقل، الانتظار القسري إلخ) بقراءة الأدب "الصحيح" و"رفع الوعي" (التمارين على "تصوّر" صورة مؤسس المنظمة "المعلّم" خورخي أنخل ليفراغا وغير ذلك من "الصور المقدّسة" المرتبطة بـ "نيو أكروبوليس")، وكذلك بالتفكير في موضوعات من نوع: "أي تلميذ أنا؟"، "ما هي عيوبي؟"، "ماذا يتوقع منّي المعلم؟" إلخ».

وعلى مستوى ك.ف.ش أيضًا يُحكَم التحكّم في السلوك تدريجيًا تبعًا لمدّة البقاء في المنظمة. في البداية يكون حضور دروس ك.ف.ش مرة واحدة فقط في الأسبوع – مساء يوم عمل، ساعتان ونصف. بعد ذلك تبدأ ما يُسمّى «الحواريات» – لقاءات في البيوت أيام الأحد، تُناقَش فيها الموضوعات المدروسة في «المدرسة». في الواقع تُعتَبَر هذه «الحواريات» نوعًا من الحصص التطبيقية لتثبيت المادة والإجابة عن الأسئلة. سپس يُستدرَج المتعلم إلى مختلف «الأسهم» الكاذبة الخيرية (إلقاء دروس في دور الأيتام، فعاليات بيئية) هدفها تكوين صورة إيجابية لـ «نيو أكروبوليس» في المجتمع. وتُخصَّص أمسيات الأحد للتحضير لهذه الفعاليات. بعد ذلك يبدأ استدعاء المستمعين إلى «نيو أكروبوليس» يوميًا بذريعة المساعدة في تحضير الفعاليات التالية. وإلى جانب ذلك يُدعَى المستمعون إلى حلقات دراسية مختلفة وموائد مستديرة. ومع الزمن يغدو «نيو أكروبوليس» معنى حياة المتعلمين ومحتواها الوحيد.

أما التحكّم بالمعلومات فعمليًا لا يُطبَّق على مستوى ك.ف.ش، لكنه يُستعمَل في ق.ح. يذكر موقع No‑acropol.info في قسم «التحكّم بالوعي»:

«لا يُمنَع في "نيو أكروبوليس" قراءة الأدب "الخارجي" (الكتب، الصحف إلخ) ومتابعة البرامج التلفزيونية بانتظام. لكن لا يُستحسَن ذلك على وجه خاص. فمثلًا يمكن سماع عبارات من القادة ذوي السلطة من نوع: "هذا يهبّط العقل"، "أنا شخصيًا لا أشاهد في التلفزيون سوى الأخبار"، "لماذا تريد أن تقرأ هذه التفاهات؟" إلخ. منتشرة جدًا وجهة النظر القائلة إن قراءة أعمال ه. ب. بلافاتسكي وغير من الثيوصوفيين، وخ. أ. ليفراغا، ود. س. غوسمان (الرئيس الحالي للمنظمة الدولية "نيو أكروبوليس")، وعدد من الكتب الأخرى ومجلة "نيو أكروبوليس" تكفي لـ "تطوّر الشخصية من جميع النواحي". عمليًا لا يكاد يبقى لدى معظم الأكروبوليين وقت حتى لقراءة هذا الأدب.

التحكّم المعلوماتي داخل ق.ح فعّال بما يكفي بفضل البنية الهرمية الصارمة وتنظيم الوقت والدعاية المتقنة. فالبنية الهرمية تستبعد تقريبًا كليًا وصول "معلومات غير مرغوب فيها" من المستويات العليا إلى السفلى، والتنظيم الواضح للقاءات وللنشاطات الأخرى يحدّ من انتشار المعلومات أفقيًا...

عامل آخر يحدّ من توزيع المعلومات هو آلية الإبلاغ (لن نستخدم كلمة "الوشاية") المقرونة في النظام نفسه. يكتب القادة تقارير دورية عن مرؤوسيهم، ويمكن تثبيت أي كلمة يقولونها وتقييمها. كثيرًا ما يحدّث أصدقاء الشخص القادة عن "شكوكه" و"انحرافاته" لكي "يساعدوه".

كما أن انتشار الشائعات في "نيو أكروبوليس" خاضع في المجمل للتحكّم بطريقة أنيقة إلى حد بعيد: يتم تشكيل العدد اللازم من الشائعات من قبل القادة بالقدر الذي يلزم لتلبية "الجوع المعلوماتي". وتُعلَّق المعلومات الواردة من "العالم الخارجي" وتُفسَّر بانتظام في لقاءات ق.ح. فمثلًا عندما غادر عدد كبير نسبيًا من أعضاء ق.ح المنظمة في السنوات 2000–2001، جرى التلميح إلى الأعضاء الباقين بأن لا ينصح بالتواصل مع هؤلاء، وللموثوقية، عبر نظام الشائعات والتلميحات، قيل إن الخارجين "يدبّرون المكائد ضد الأكروبوليس".

وهكذا، في "نيو أكروبوليس" تُستخدَم جميع أنماط التحكّم بالوعي التي لا تترك لأعضاء المنظمة إمكانية اتخاذ خيار حرّ خاص بهم».


  1. ما هو موقف نيو أكروبوليس من العالم الخارجي؟ يُقنَع الشخص الذي يدخل «نيو أكروبوليس» للمرة الأولى بأن «نيو أكروبوليس» منظمة ثقافية‑تنويرية علمانية، هدفها أقصى درجة من إدماج الناس في التراث الثقافي للمجتمع. ومن المنطقي أن نفترض أن مهمة مثل هذه المنظمة هي إدماج الإنسان في المجتمع بأقصى قدر، وتعليمه حب العالم المحيط وتقدير ثقافته. لكن عمليًا يحصل العكس تمامًا. فإحدى السمات الأساسية للطوائف الشمولية تكوين «جدار» معيّن بين التابع والعالم المحيط كله. وهذا مفهوم تمامًا، لأن الطائفة، وهي تفرض سيطرة على وعي الإنسان، تحتاج إلى حمايته من التأثيرات الخارجية المختلفة عن التأثير الطائفي. وكلما قلّ توجّه التابع إلى «الخارج»، ازداد ارتباطه بالطائفة وتبعيّته لها. ولهذا تحديدًا من المهم جدًا لقيادة الطائفة أن تقطع جميع الروابط الخارجية للتابعين القادرة على إخراج الإنسان من مجال التحكّم الشامل للنظام. في «نيو أكروبوليس» يتجلّى ذلك في «عبادة» خاصة للصداقة والحب. فالحب الحقيقي، وفقًا لأيديولوجيا «نيو أكروبوليس»، هو لقاء لأشخاص كانوا سويًّا في حياة سابقة. ومن ثمّ فإن شخصًا لا يؤمن بالتناسخ لا يمكن أن يكون تلك «النصف الآخر» بالذات. وفوق ذلك، يرتبط الحب الحقيقي ارتباطًا لا ينفصم بـ «الرسالة»، لذلك فإن أي علاقة تعرقل عمل الإنسان من أجل «نيو أكروبوليس» لا تملك حقّ الوجود. وإذا أضفنا إلى ذلك واجب أعضاء ق.ح في كثير من الأحيان أن يكذبوا على أقربائهم وعلى المستمعين العاديين، مخفين وجود الرموز والطقوس والتعليمات الخاصة بمعالجة التلاميذ، وإلى جانب ذلك انشغال أعضاء النواة الداخلية للمنظمة الشديد، يصبح واضحًا أن علاقات الأكروبوليين بأقربائهم وأصدقائهم تتدمّر تلقائيًا.

موقف «نيو أكروبوليس» من العالم عمومًا سلبي للغاية. وهذا طبيعي تمامًا إذا أخذنا في الحسبان أن المنظمة تسعى إلى ضمان أقصى قدر من السيطرة على وعي التابع، وهي بالتالي معنيّة بحمايته من التأثيرات الطبيعية الآتية من عدد كبير من المصادر: من وسائل الإعلام المختلفة، وكذلك من الأعمال الفنية. فالعالم المحيط، وفقًا لتعليم «نيو أكروبوليس», آيل إلى الانحطاط، غارق في المادية، وهو عمومًا حاملٌ للشرّ – خلافًا لـ «نيو أكروبوليس». هنا نجد ما يُسمَّى في الطوائف الشمولية «عقيدة العالم الأسود‑الأبيض» – التقسيم بين المنظمة والعالم المحيط وفق مبدأ "نحن/هم".

«عن السكولاستيكية»، الفقرة 1 من قسم «للتلاميذ»: «من أجل الحفاظ على "أخوّتنا الفلسفية" وتخليدها، نحتاج إلى الشباب الذين لا يريدون تمضية وقتهم في تفاهات عالم آيل إلى الانحطاط. نحن شباب وأقوياء – ولن يجعلنا شيء غير ذلك».

وفي الفقرة 7 من قسم «للمدرّسين»: «في العالم المعاصر المشبَع بالسياسة الصغيرة، والطائفية، والخيالات العبثية، والمخاوف اللاعقلانية، والكراهية المفروضة بصورة متعمدة، تتعرّض الشباب لـ "غسل الدماغ"».

وينتقل موقف أعضاء ق.ح من العالم المحيط إلى موقفهم من مستمعي ك.ف.ش أنفسهم. «تجلّي القوانين السبعة...»: «حين تأتون بناركم الصغيرة، بدفعتكم الصغيرة، وأنتم على استعداد، ترون أمامكم وجوهًا، وهم في الحقيقة يصبحون لكم، في سياق معيّن، أعداء محبوبين، لأنكم عندما تأتون بشيء جديد وهم ما زالوا في قِسْمهم، في جمودهم، وعمى عيونهم، وتفاصيلهم التافهة وحمقاتهم الصغرى. فالحالة الأولى التي تنشأ هي أن تتسلّحوا بالخوذة والدرع، مثل دون كيشوت ضد طواحين الهواء، هذا هو قانون الفعل... حذار، ليست معركة لتوضيح شيء ما بصورة أفضل أو لتذكّر شيء ما ولرمي بعض المعلومات الأخرى، بل معركة بين النور والظلام... إنها معركة لدى الأساتذة من أعلى درجة، من نوع ديليا، خ. أ. ل.، المعلمين العظام الذين يأتون ويعرفون مباشرة ما الذي يطفو في الجو، وما الذي يجب مهاجمته، وما الذي يجب إيقافه، وما الذي يجب تطويره، ويقومون بذلك بوعي».

وهكذا، يُدرك أعضاء ق.ح عملية التعليم نفسها باعتبارها حربًا مع تلاميذهم.


  1. هل «نيو أكروبوليس» طائفة شمولية؟ في ضوء ما سبق، يمكننا أن نستنتج أن في «نيو أكروبوليس» جميع سمات الطائفة الشمولية. بل وأكثر من ذلك، فإن الوصف الأولي لـ «نيو أكروبوليس» لا يفتقر فقط إلى المطابقة للواقع، بل يُفنَّد بنقيضه تمامًا. وهكذا يجد الإنسان الذي يأتي إلى «المدرسة الفلسفية» سعيًا إلى التعرّف إلى الحكمة القديمة نفسه في طائفة وثنية‑باطنية شمولية. نعيد التأكيد أن الاعتراضات الأساسية على «نيو أكروبوليس» لا تتمثّل في أن لديها تعليمًا مختلفًا عن تعليم الكنيسة الأرثوذكسية أو أية كنيسة أخرى، بل في أنها تخفي عن المنضمّين الجدد حقيقة وجود هذا التعليم، وتدفع الأتباع إلى قبوله عن طريق التلاعب وأساليب التحكّم بالوعي، منتهكة بذلك الحقّ الأساسي للإنسان في اختيار رؤيته للعالم بحرّية.

[1] الشماس أ. كورايف، «من أرسل بلافاتسكي؟ (جدل مع كسينيا ميالو وغيرهم من "الممجّدين للريريخ")».
[2] أ. دفوركين، «دراسة الطوائف: الطوائف الشمولية»، 2003، ص 70.
[3] أ. دفوركين، «دراسة الطوائف: الطوائف الشمولية»، 2003، ص 52.
[4] محاضرة بتاريخ 31.12.1961 «الامتلاك: نوعية القدرة على البلوغ». يُورَد الاقتباس في الرسالة الإعلامية I HELP СНГ رقم 16 بتاريخ 01.11.2005.