سيرة ذاتية لخورخي أنخيل ليفراجا
نُشرت في ألميناس رقم 1-18 لنيو أكروبوليس. وثيقة داخلية.
مقدمة
كما أُعلن في الرقم 1 من «ALMENA»، أعتزم أن أطور موضوع علاقتنا مع الهرمية وكيف دخلنا العالم قبل أربعة وعشرين عاماً. وبما أنني أنا المؤسس، فإن هذه الصفحات البسيطة ستكتسب قيمة وثائقية وتاريخية مع مرور الزمن. أمام هذه الحقيقة أجد نفسي مُلزماً بكتابة شيء ترفضه شخصيتي بقوة، ولكنه ضروري لفهم الأحداث ولكي لا تحصل في المستقبل تشوهات مهمة في معرفة حياتي الخاصة، الأمر الذي قد ينعكس في تشويه العمل ككل. أعني كتابة نوع من السيرة، رواية موجزة لوجودي، منذ طفولتي المبكرة وحتى خطوات ما كان مع الزمن سيصبح منظمة نيو أكروبوليس الدولية.
مع تجاوز الفوارق الهائلة بين هيلينا بلافاتكي (H.P.B.) وبيني، أهدف منذ الآن إلى تفادي أن يخترع في المستقبل رينيه غينون وأتباعه بداية معقدة وزائفة لأصول حركتنا. وهكذا، متغلباً على الاشمئزاز الذي تثيره لدي شخصيتي بهذا الموضوع، أُجبر على الكتابة عن نفسي. أنا معتاد على التضحية بالملذات لحاجة الضرورة. أفعل ذلك مرة أخرى. أنا أطيع الأوامر كما يفعل أي منكم.
مبدئياً ومن منطلق أخلاقي سأقتصر على حياتي الشخصية وسأسرد ما يمكن أن يكون ذا فائدة لفهم المسار بشكل أفضل. سأحصر نفسي في الأمور التي قد تكون مهمة ويجدر معرفتها.
Primera parte: Mi niñez (1)
ولدت في 3 سبتمبر 1930 في مدينة بوينس آيرس، الأرجنتين، داخل أسرة مهاجرين إيطاليين. والداي، دون أنخيل ودونيا فيكتوريا، وُلدَا في الأرجنتين، لكن أجدادي وُلدوا في إيطاليا، في محيط ميلانو من جهة الأب وفي محيط جنوة من جهة الأم.
خرجت إلى النور قبيل الظهر في بيت جدي من جهة الأب، في شارع سيوداد دي لا باز رقم 800 في حي بلغرانو السكني. بعد أيام قليلة اندلعت ثورة دموية أطاحت بالنظام الأبوي الوسطي اليساري لحيريجوين. أول الأطباء الذين اهتموا بي جاؤوا إلى البيت عبر المتاريس؛ وكانت المدينة تحلق فوقها طائرات قتال. ولدت طبيعياً ولم أعانَ أمراضاً مبكرة.
بعد أشهر قليلة نُقلت إلى منزل في أمينا بار 863 الذي صممه والدي، وكان مهندساً مدنياً.
كانت الأرجنتين آنذاك تمر بعصر رخاء ومرت طفولتي الأولى داخل عائلة من الطبقة الوسطى العليا، بخصائص «الحادّين الجدد». أُعدت لي غرفة ألعاب وكنت أنام على سرير صغير في ذات غرفة والديّ. ذاكرتي عن ذلك باهتة ومقتضبة. أذكر سيارتنا، كانت مكشوفة بلون رملي مع حواف سوداء. وأذكر أيضاً شاليه في جزيرة إل تيغري، موضع في دلتا ريو دي لا بلاتا على بعد نحو 30 أو 40 كلم من بوينس آيرس. قيل لي إنني عندما كنت رضيعاً تمسكت بدُبّ قماشي وبدأت أتكلّم مبكراً، رغم أن المشي المستقل تأخر لدي. لا أتذكر ذلك. أول ما أسترجعه من هذه الحياة هو جلوسِي في السيارة وركبتيّ تتدلّيان دون أن تلامسا الدواسات ومحاولتي المناورة بعجلة القيادة. وأتذكر أيضاً الزوارق التي كانت تنقلني من حين لآخر إلى الجزيرة في الدلتا؛ لقد أحببت تلك التجربة كثيراً.
نشأت بطابع انطوائي جداً وقضيت ساعات وحيداً أراقب وأحلم أمام أوان الزرع الضخمة على سطح بيتنا الذي كان طوله عشرون متراً. مما قيل لي وأتذكره، أظن أنني لم «ألعب» تماماً مثل طفل عادي. لم أكن أستحسن رفقة الأطفال الآخرين وكنت دائماً أفضل ملازمة الكبار، مثلاً المائدة الكبيرة المخططة لوالدي، أرسُم هناك باستعمال البركار والمسطرة؛ بقلم رصاصات «فابر» الألمانية بدأت مبكراً أرسم عادة سفناً وشخصيات بشرية في قتال. لا أذكر أنني رسمت حيوانات في تلك الفترة. رغم أنني كنت أحبها، وبفضل معارف والدي في حديقة حيوان بوينس آيرس، كان بوسعي اللعب مع أشبال نمور وأسود ودببة. لم أخشَ الحيوانات أبداً. كان لي صديق في الحديقة قرد عظيم يُدعى «تشاكما»، نوع من الشمبانزي بفكّين بارزين وحجم كبير. كنت أطعمُه من كفي عندما لم يراني الكبار. أول مرة ضبطوني فيها مرعوبين، حتى أدركوا أن القرد الكبير لم يؤذِني، بل على العكس كان يعرّض أنيابه لمن يجرؤ على إبعادي عنه. كنت أحب الحيوانات في طفولتي إلى حد أني امتلكت كثيراً منها، حتى بطريقاً في حوض استحمام والديّ، وهو أمر مُنع عني سريعاً. كان لدي حوضان مليئان بالأسماك وقفص كبير تحلّق فيه ببغاوات وتمشي فيه حجل. لا أذكر أنني اهتممت إطعامهم؛ لكني قضيت ساعات أتأملهم وبدأت أحلم بأراضٍ بعيدة.
والدي لم يكن متديناً ووالدتي كانت كذلك بصورة سطحية. كنا نذهب أسبوعياً إلى الكنيسة وما كان يؤثر فيّ فيها صورها والأسقف العالية. يُخبرونني أنني تعمدت في الديانة الكاثوليكية، في كنيسة نيافا بومبيا القوطية الجديدة، وبأنني بكيت كثيراً عندما رُشت بماء المقدس. تجاوزوا المشكلة بإعطائي ميدالية مفاتيح سيارة عمي من جهة الأم، أنخيل ريتزي لألعب بها.
لا أتذكر أي انطباع ديني أو تجربة روحية في طفولتي الأولى. منذ وقت مبكر رأيت ولمست موتى من العائلة. لم يثير ذلك فيّ انطباعاً عظيماً. هذه التجارب فرضها والدي، الرجل شديد الرجولة، الذي أراد أن لا أخاف من شيء. وفي الواقع لم أكن أخاف. أذكر أنني كنت أنظر إلى الموتى بفضول، كما لو أن ما أراه ملابس نزعت عن المتوفين، والذين ظننت أنهم يجب أن يبقوا أحياء في مكان آخر. لكني تعاملت مع ذلك بطبيعية كبيرة. ما كان يثيرني فعلاً هو بكاء المعزين؛ كان يزعجني وكنت أحاول الهروب منهم.
لطالما أحببت الصمت وبطريقة ما العزلة. شعرت بفضول حيّ تجاه محيطي، لكني كنت أراه مفصّلاً عن شخصيته، كصالة عرض هائلة في متحف بدأت أحبّه منذ صغري. أغراضه الثابتة والساكنة جذبتني دائماً.
عندما أجهد نفسي لأتذكر سنواتي الأولى، أشعر بمسافة نفسية كبيرة عن عالمي المحيط. لا أذكر أنني أحببت شيئاً أو أحداً كثيراً، وعلى خلاف ما يحدث لدى الأطفال، لم أشعر بأي حاجة للعاطفة. وإذا وُجدت حياة عاطفية، فقد كانت تتجه دوماً أكثر نحو الحيوانات والأشياء، مع رفض غير معترض للبشر. بطريقة ما لم أشعر أنني إنسان ولا أعتقد أني مشابه لهم سوى في الشكل، وهو أمر لم يُشغلني.
Primera parte: Mi niñez (2)
قُبيل بلوغي الرابعة، عشت كثيراً مع جدتي من جهة الأب. كان لها في حي باليرمو منزل كبير، مع فناء خلفي غير مكشوف، حيث نبتت أشجار الليمون وزُرعت الخضروات وكان هناك حظائر للدجاج. في الحقيقة كان مزرعة ريفية وهناك كانت جدّتي في الستين من عمرها تعيش كما في القُرى البعيدة حول نهر بو التي كانت تحدثني عنها بكثرة.
بمجرد بزوغ الفجر كانت تذهب إلى القداس وعند عودتها توقظ العائلة الصغيرة بأكملها. كانت تقف طوال اليوم تعمل، وتخلد إلى النوم متعبة بصحة بين صور قديسيها والمتوفين الذين تُضيء لكل واحدٍ منها قنديل زيت. كانت غنية بما يكفي لتعيش حياة أخرى، لكنها لم تعرف غير هذه الحياة، وكانت هادئة وسعيدة بها.
في كوخٍ من الخلف كان يعيش عمي الأكبر، ابن أخِها، أصغر منها بعشر سنوات، الذي كان في السابق أناركياً، من ذلك النوع العملي الرومانسي في أواخر القرن التاسع عشر. كان بينهما بعض المناقشات حول وجاهة الدين، حتى تهدئه جدتي بتذكيره بأنها عمته، وهو كان يناديها باحترامٍ رسمي «أوستيد» فيسكت فورا ويعود إلى أعماله الأرضية. كان يسخر من معتقداتها لكنه احترمها وأحبّها لدرجة أنه عندما ماتت بعد سنوات، تبعها إلى القبر ولم يُبْتَ بعد خسارة عمته. يا له من أناركيين غريبين في ذلك الزمن!
كنت ألعب بحفر كبيرة في الأرض، أملأها بالماء وأدفع بها قواربي، بعضها بنيته بنفسي من أخشابٍ وجدت هناك. بالنسبة لي كان ذلك البيت وفناءه الريفي مكاناً للعجائب. كنت أقضي ساعاتٍ أتأمل الحشرات والنباتات. بدأت أرسم طيوراً على صفحات كبيرة لورق الرسم بقلم رصاص، ثم أصبغها لاحقاً محاكياً ما أرى.
شدّتني الدجاجات وخصيصة وضع البيض الغريبة عندي. لم أفهم أبداً كيف ولماذا تفعل ذلك، لكني لم أسأل لأنني اعتدت على الألغاز وبطريقة ما لم أرغب في سماع تفسيرات الكبار الشحاحة. ذات صباح اكتشفت أنه بوضع إصبعٍ على منقار الدجاجة ورغبتي أن تغفو، كانت تسقط فوراً على ظهرها مع أقدامٍ مرفوعة. فكنت أهبّ لاحقاً فأوقظها. كنت أغريها؛ لكن ليبدو لي الأمر طبيعياً جداً، حتى يومٍ ما شاهدتني جدتي فصرخت في رعب، لأن ما يبدو أنه سلفٍ لنا من إيطاليا، الذي كانوا يسمونه هناك «المعّوِج الصغير» (El Maguito)، كان قد عاش مهنياً بالت levitación من سطح إلى سطح في قريته، وعالج حيوانات وأناساً. تحدٍّ من قِبل أحد الكهنة — ضد ما كانوا يعتقدونها قوى شيطانية — كلّفه حياته عندما حاول الطيران من جرسية دومو في ميلانو. جدّتي كانت تتذكره مما حدث لها طفلة، وقد ورثت «ميداليته المعجزة» التي كان ممثلاً عليها «سان غنوب». لا أعلم من هو هذا القديس الغامض الذي كانوا يدعونه أيضاً «سيد الديدان». اليوم أعتقد أن الميدالية ربما ما كانت إلا عملة بيزنطية أو رُقِيمة مسيحية قديمة.
المهم أنه اتصل بوالدي هاتفيّاً الذي لما سمع القصة ضحك ظانّاً أن جدتي تُشيخ. وبوبيّنةٍ ما أوبّخه لأنني أخدعها بألعابي مستغلاً بساطتها الفلاحية (والدي كان يفتخر جداً بكونه جامعيّاً ومحِبّاً للرياضيات وثقافته العلمية). عندئذٍ دعوني لأذهب إلى حظيرة الدجاج وأُعيد التجربة أمامهما. جدتي مع مسبحتها في يديها ووالدي يتلذذ مُسبقاً بفشل لَعبي أمام مُرَاقِبٍ مختص. نمتُ كلّ الدجاجات. أتذكر أنه كانوا يهزونها بذهول مما رأوا. كنت غاضباً قليلاً من الشهرة التي أعطت للمسألة ورفضت إيقاظها حتى جاء أمرٌ قاهر من والدي فأوقظتها. ثم، كمن يحملني، أوصلني إلى السيارة التي كانت تنتظره أمام الباب، بينما عادت جدتي إلى غرفتها المظلمة لتصلي أمام قديسيها وأحبّائها الموتى. لم يُتَكلّم عن الموضوع بعد ذلك، لكن بعد أيام قليلة أخذوني إلى طبيبي، الدكتور ريوخا، ليفحصني. أدرك الآن أنهم ربما أخبروا الطبيب بالمغامرة والطبيب العجوز، المتكوّن في المدارس البراجماتية في مطلع القرن، لا بد وأنه لم يصدق القصة، مؤكداً فقط أن صحتي جيدة. لكن لم تكن كذلك تماماً: كثيراً ما تعرضت للزكام والأنفلونزا وكانت تصيبني حمّى مرتفعة. يقولون إنني هَمَيتُ. ولأنني كنت الابن الوحيد، كان البيت يُصعَق كلما حصل ذلك، وكان الطبيب الصبور والموقر الدكتور ريوخا يهرع لوصف الدواء. كان هو ووالدي على وفاق لأن كليهما كانا يحملان ذهنية علمية حادة وإيجابية.
كنت في الخامسة عندما مرضت فجأة بأنفلونزا، في شتاء، فارتفعت حرارة جسدي إلى 40 درجة أو أكثر. كنت في بيت أمينابار وكانت الخادمات ووالداي على أطراف أصابعهم بينما يجددون لي مناشف ماء باردة على الجبهة. وغطّوني أيضاً بمناشف كبيرة مبللة. بدأوا يعطوني طلقات ألم متكررة خلال اليوم. أستنتج اليوم أنني ربما كنت في بداية التهاب رئوي. في إحدى الأمسيات ارتفعت الحمى أكثر، كدت أفقد البصر وكان التنفس عسيراً وكنت أشعر بألم فظيع في الظهر. عمّت حالة من الرعب. أتذكر ركض الأم وصراخها: «اتصلوا بالدكتور ريوخا!».
بقيت لحظة وحيداً في الغرفة. فجأة، على يمين السرير الكبير الذي وضعوني فيه، ظهرت واقفة شخصية مغمورة بضوء ذهبي، مع ذراعين معقوفتين على الصدر (بعد سنوات عرفت أنها كانت شخصية فرعونية). مدت ذراعها ولمست جباهتي. لم أشعر بالخوف وأخبرت الناس عندما دخلوا غرفتي بعدما ناديتهم لأحكي لهم ما رأيت. جاء الطبيب ونسب ذلك إلى الحمى. رأيت القلق في وجوه الجميع. في الصباح التالي لم تعد لدي حمى ولم تبقَ آثار لمرضي. نهضت وذهبت لألعب في الفناء. عُزِيَ ذلك الحدث برد فعل على دواءٍ ما.
Primera parte: Mi niñez (3)
سرعان ما نسيت ما حصل وانتهيت إلى أخذه كأمر طبيعي، رغم أنني لم أكن أقدر تفسيره آنذاك. ولم يهمني أن أشرحه، وتلك السمة من عدم الاهتمام بما يبدو «خارقاً» ملازمتني طوال حياتي.
منذ أن كنت في الرابعة كنت أعرف العدّ وأحفظ الحروف. كنت أستطيع القراءة، رغم أن مشكلتي كانت أني أعرف اللغة الإيطالية أكثر بصيغة لهجة ميلانو منها الإسبانية. في أحسن الأحوال كنت أخلط بين اللغتين لأنني هكذا كنت أسمع كبارنا يتكلمون عندما كانت تتاح لي عند المائدة فرص طويلة للاستماع إليهم.
بعد تجاوز سن الخامسة، ترسّخت لديّ ميولي الشخصية بقوة. أعمال الميكانيكا وتغيير عجلات سيارة والدي، الرسم الآن بالألوان، مراقبة الطبيعة بنهم خاصة الحيوانات والنباتات، وولع متزايد بالسفر. هذا الأخير دفعني إلى بناء طوافة كبيرة من أخشاب صناديق وعصي في فناء المنزل (دون أن أحسب أنها كانت كبيرة جداً بحيث لا أستطيع إخراجها). بهذه الطوافة، التي استغرقت مني ساعات يومية وآلاف المسامير المعاد استعمالها التي كنت أقوّمها بنفسي، كنت أفكر أن أذهب إلى أماكن «بعيدة جداً»... مثل «الهند ومونتيفيديو»...
والدي، الذي بطبيعة الحال لم يولد للتربية الطفولية، كان له في تلك المرة لطفٌ لا نهائي لإظهار استحالة مشروعي، وفككناها معاً، واستبدلناها بواحدة صغيرة جداً ذات شراع نرميها في ريو دي لا بلاتا لتضيع على الأفق. هكذا عملنا ربما أسبوعاً ولا أذكر أنني بكيت، رغم أنني كنت راغباً كثيراً في ذلك لأن الفشل الظاهر لحلمٍ لأول مرة في هذه التجسّد قد صعقني. بعد أشهر كانت الطوافة الصغيرة تبحر بصعوبة مبتعدة عن الشاطئ وبدأوا يهدونني نماذج كثيرة من السفن بأنواعها، رداً على تلك الميول التي أظهرتها واللاتي لم تفارقني أبداً بطريقة ما. عندما رأيت البحر لأول مرة كنت حوالي ست سنوات؛ أذكر أنني بكيت دون أن أعرف لماذا. كان ذلك في منتجع مار دل بلاتا. أمضيت الساعات أنظر إلى الأفق وراء الأمواج والرمال المغرية لألعاب أطفال في سني. أعترف أنني ربما اختبرت صبر وفهم والديّ، لأنني رغم أنني كنت طفلاً مطيعاً ومتحفّظاً، كنت غريباً وشاذاً إلى أقصى حد.
قرّروا، وكانت فرحتي عظيمة، أن لا أذهب إلى المدرسة الابتدائية في السادسة كما هو معتاد، بل في السابعة. لأمرٍ لم أفهمه أبداً، كان لدي رفض كبير للذهاب إلى المدرسة والوجود مع أطفال آخرين وتوقعت أن تلك الخطوة ستغرق طريقتي في المعاش وطفولتي. كنت أهاب أن أصبح «شخصاً بالغاً». أن أُدرَج في وسطٍ شعرت أنه سيكون عدائيّاً بالنسبة لي. مشاهدتي أنني أكبر، وهو ما كانت عائلتي تحتفل به، كانت تُحزنني بشدة. في بيت أمينابار كانت لدي غرفة مملوءة بالألعاب؛ كانت المئات منها، وكنت أحاول اللعب وحدي بسفني وسياراتي وطائراتي الصغيرة بشراهة. كنت واعياً أن حياتي سوف تتغير ولن أستطيع فعل ذلك بعد الآن بنفس الطريقة.
عدت إلى بيت جدتي وهناك حدث آخر الظاهرة الغريبة في طفولتي. كان أمراً بسيطاً لكنه حدّد أن أيام إقامتي في ذلك البيت مع حديقته الكبيرة للخضار وأشجار الفاكهة ستقتصر على زيارات متقطعة.
كان هناك شجرة ليمون محمّلة بثمار ناضجة وأعطتني جدتي سلة وأشارت إلى عصا طويلة كي أحصد أكبر عدد ممكن. تركوني وحدي وظهرت مشكلة كيفية القيام بذلك بالضبط لأن الثمار كانت كثيرة وبعيدة لي على ارتفاع عالٍ. وقفت تحت الشجرة وتمنيت بقوة أن تسقط الليمونات إلى الأرض؛ رفعت ذراعي كأنني لأجمعها فسقط عدد كبير منها دفعة إلى قدميّ. لم أعر الأمر أهمية، معتقداً أن الباقي سأنزله لاحقاً ببندقيتي الهوائية... لكن لم ألحظ أن جدتي كانت تراقبني... وكرر الموضوع نفسه كما حدث مع الدجاجات: ولئن ظننت أنني يُطلق عليَّ «الماغوين» فقد تلبّد الأمر وأُثير الاشتباه.
أظن أن هنا انتهت طفولتي بمعناها الحقيقي. ثم اضطُررتُ للذهاب إلى المدرسة، حيث قضيت أول سنة في مدرسة راهبات في شارع أفينيدا كابيدو في بوينس آيرس. أذكر أنني عانيت كثيراً، بل تعرضت لحادث سقطت فيه على مقعد حجري ففقدت جزءاً من أسناني وجرحت كثيراً. أصبحت أكثر هدوءاً. كنت أرفض ويُرفض لي رفقة الأطفال الآخرين. كانت «الواجبات» التي كان عليّ القيام بها في المنزل، بمساعدة دائمة من أمي، عذاباً حقيقياً، إلا حينما كان عليّ أن أرسم. دفاتري لا تزال محفوظة وهي أنيقة وجميلة... لكنها لا تعكس ذلك الإحساس الداخلي المرعب الذي شعرت به أثناء إعدادها. تغيير إلى مدرسة حكومية بعد عام لم يجنّبني الأمر. هناك تعلمت الكلمات النابية الأولى والقذارة الأولى في الحياة؛ رأيت السرق والاعتداء على الضعفاء. قوة غريبة، عتيقة وعميقة، بدأت تتضح داخلي. اعتزلت المحيط وأصبحت نوعاً من «روبوت» يذهب إلى المدرسة. الأصدقاء العابِرون ظهروا لي كأشياء.
Primera parte: Mi niñez (4)
أذكر بوضوح زَعزَعَة حياتي كلما كبرت ومواجهاتي مع محيطي.
المدرسة الابتدائية الحكومية — التي لا تزال موجودة حين أكتب في ازدواجية شارع فيديريكو لاكرُوز وكابيدو في بوينس آيرس — كانت تبدو لي سجنًا حقيقياً. ولزيادة الطين بلة، والدي بأفكاره الليبرالية لم يرغب في الاستمرار في إرسالي إلى مدرسة خاصة ودينية. في تلك الأيام، في الأرجنتين، كانت المدارس الحكومية تضم أطفالاً من الطبقة الوسطى وما دونها، ومن عاداتهم إلى ملابسهم لم يكن لهم أي شبه بعاداتي. ما زال يبدو لي أنني أسمع صافرات وسخرية زملائي الصغار عندما أرتدي رداءي الأبيض النظيف (هناك يسمّى «غوارابولفو») والمكوى وربطة عنقي من حرير أزرق منقط أبيض وأصعد إلى السيارة السوداء الكبيرة التي كانت تنتظرني.
لم أشعر أبداً بالانتماء إليهم. لأكون صريحاً تماماً، كما التزمت عند بدء كتابة هذه السيرة المختصرة، كنت — مع بعض الاستثناءات النادرة — أشعر اشمئزازاً حقيقياً من كتلة الأطفال الصاخبة، المشعثة والعنيفة. عندما كانوا يشترون لي عبوة حلوى من مقهى «ريتز» لأشاركها معهم، كنت أفعل ذلك... لكن بطريقتي: ألقيت بها بعيداً (كانت من أغلاها، مغلفة بأوراق ملونة تظهر الفاكهة المعنية) وكان من دواعي سروري أن أرى كيف يتدافعون، يدفعون ويضربون بعضهم البعض مدفوعين بالطمع. ما يبقى لي كنت في العادة أُعطيه لكلبي، الراعي الألماني الكبير. عرف والداي لاحقاً كثيراً أنني لا آكل الحلوى. وعرفا فيما بعد أنني لست طفلاً «عادياً».
علم نفس معظم الآباء غريب: دائماً يتمنون أن يكون أبناؤهم شيئاً «خارج التجاوز» وعندما يولد لهم واحد، يصرّون على «تطبيعه». كانت جدتي تروي لي شيئاً لا أعلم إن كان صحيحاً: كانت تقول إنه عندما تتزاوج ذئبة مع كلب وينجبان صغاراً ذئابا وكلاباً، تراقب كيفية شربهم للماء فتعرف بذلك من سيفرز ذكورا ذئاباً أم كلاباً، فتقتل الأخيرة لأن غريزتها تخبرها أنها عندما تكبر ستكون أعداء الذئاب... الطبيعة قاسية لكن حكيمة.
هكذا نشأت بين ذئاب غبية سمحت لي بالنمو. أنا، الذي سأكتب فيما بعد مقالات كثيرة ضد الكنيسة الشكلانية... تعلمت أن أكتب بالإسبانية على يد راهبة. أنا، الذي حاربت طوال حياتي الليبرالية المادية واحتقرت الديمقراطية، حرصوا على تعليمي وتشكيل معلمين لتلك النزعات، بدءاً من والدي نفسه.
كنت تلميذاً متوسطاً؛ سيئاً جداً في الرياضيات رغم أنني جيد في التاريخ والأدب. ومع ذلك كانت ثقافتي تدهش كباري، لأنني بشكل ذاتي أقرأ عدة ساعات يومياً ما أميل إليه، خاصة الفلك، علم الحفريات، الحيوان، النبات، الفيزياء، التاريخ، علم الآثار، القصائد والنثر. كما كنت أصنع رسومات علمية رائعة تمثل خلايا وتصنيفات فطر وأنواع طيور من بلدان بعيدة. لكنها كانت رسومات «من أجلي»... لا أذكر أن معلميها في المدرسة رأوها. لم أكن أبلغ العاشرة عندما تعاونت بمستوى شبه مهني في سلسلة رسومات تقنية قدمها والدي كمشاريع طرق سريعة وجسور مع مقاطعها التخطيطية ووصف بالتصريفات والحشوات، إلخ. أصبح والدي زميلاً لي رغم الهوة بين طبعه العنيف وعلوّيتي الناشئة وازدرائي للنوبات الحقيرة والمناقشات الأسرية.
في الحقيقة، كان والدي يعيش من أجلي، إذ مكّنته مكانته الاقتصادية من ذلك وكان حبه الأعظم لابنه. كنت فخره وتحقيقه في الحياة... لكن ربما كان يود طفلاً أقل غموضاً يرضى بأقل. عندما كان يصنع لي طائرة ورقية ونذهب إلى الريف لنطلقها، كنت أصرّ في النهاية على أن يشتروا لي نموذج طائرة حقيقية.
حاول والدي تعليمي الرياضات، خاصة العنيفة مثل الملاكمة، لكنني بالرغم من عدم تهرّبي منها كنت أمارسها آليا وكان في نظراتي برود وازدراء حتى أن معدات الملاكمة وأكياس الرمل سرعان ما اختفت. أما ما أحبه فعلاً فهو التجديف والإبحار عامة، وكان لدي نماذج كثيرة من السفن والغواصات.
اندلاع الحرب العالمية الثانية تزامن مع عيد ميلادي. كنا نشتري ألعاباً في مركز بوينس آيرس عندما سُمِعَت صافرة صحيفة «لا برينسا» تعلن أن بريطانيا وفرنسا أعلنا الحرب على ألمانيا بسبب غزو بولندا. كنت أتم التاسعة.
عاشت الأرجنتين روتينها. كانت حرباً بعيدة وغير درامية محلياً. كانت عائلتنا إيطالية لكنها متمسكة بالماضي. كنّا نغني قرب البيانو «جوفينيتسا» لكن موسوليني بدا لهم شخصية مهرجية؛ البعض لأنهم ملكيون بالتقليد والآخرون لأنهم ليبراليون ديمقراطيون مثل والدي. بالنسبة لي، غافلاً عن الألم الإنساني، كان حلقة مثيرة أقرأ عنها في صفحات «لندون نيوز» مصحوبة بصور مدهشة. امتلأت غرفتي بألعاب حربية. أصبح ظاهرة الحرب كصراع آلات مبسّطاً تثير اهتمامي كثيراً، وامتلكت مئات عربات مُسلّحة صغيرة ومدافع ومجسمات أخرى ونظّمت معارك معقّدة. كنت أستخدم صواريخ صغيرة أدفنها في تربة أوان الزرع كألغام. بالبداية كنت متعاطفاً مع «الحلفاء»... لأنهم كانوا يخسرون.
Segunda parte: Mi adolescencia
أستخدم مصطلح «المراهقة» مصطلحاً تواصلياً بحتاً معكم، لأنني، بصرامة، لا أذكر هذه التغيّرات التي تُعطى أهمية كبيرة في حياتي اليوم. كان عندي فقط نوع من القلق لوعي أنني أتوقف عن كوني طفلاً، ليس لعدم معرفة ما ينتظرني بالضبط، بل لعلمي بما سأفقده بلا ريب. عالم الكبار لم يُعجبني أبداً وكنت مجبراً على دخوله تدريجياً. كانت عملية بيولوجية-زمنية، قوى فوقي تدفعني... لكني كنت ما أزال نفسَ الشخص داخلياً... هناك، في داخلي...
ولعي بالقراءة قادني لقراءة مقال متعمق عن ألواح جزيرة الفصح التي عملت على صورها عدة أسابيع في محاولات متعددة لتحديد الرموز، وصولاً إلى كتيّب عن «كيفية رمي الورق» أي معرفة المستقبل عبر أوراق اللعب. لم أكن أومن كثيراً بهذه الأشياء، لكني في خلوّتي كنت أجري الأوراق على المائدة الكبيرة في غرفة طعامنا وامتلأت فرحاً ذات مرة حين ظننت أني قرأت أنني سأموت في الخامسة عشرة من عمري. كم أزعجتني فكرة عالم الكبار.
فيما بعد علمت أن حدسي بشأن تلك الأوراق لم يكن خاطئاً تماماً... فقط أن الذي سيموت عند الخامسة عشرة لم أكن أنا جسدياً.
من المدرسة الابتدائية المكروهة انتقلت إلى المدرسة الثانوية المكروهة أو «المدرسة الوطنية». إذا كنت قد شعرت بعدم ارتياح في الأولى، فقد كنت مضطهداً هنا لأبذل أقصى جهدي لأن أنأى نفسي «طبيعياً». بدا لي شباب ذلك الزمان أوسخ تماماً مثل شباب اليوم، مع الفرق أنني كان عليّ أن أتحمّل قذاراتهم وحديثهم الفاحش ونوبات بكائهم السخيفة. كنت أملّ من التواضع أو العدمية في معلميّ وكانت هناك استثناءات قليلة جداً.
من بين المواد التي درستها كان التاريخ يهمني رغم أنه يُعرض مشوهاً. وجدت لذة في الأدب وكنت أكرّس ساعاتاً لقراءة الكلاسيكيات الإسبانية وأخطّ أوراقاً بقصائد ومقالات عن السياسة ونثر وصفّي وسردي. من المؤلفين المترجمين إلى الكاستيانو أكثر من أثر فيّ شاتوبريان، وبدرجة أقل بايرون. واهتممت أيضاً بالدين، رغم أن في أيّام دراستي، في الأرجنتين البيرونية، كان هناك تقسيم سخيف بين من يدرسون «ديناً» ومن يدرسون «أخلاقاً»، وكان يُوصَم الأخيرون بازدراءٍ بكونهم «يهوداً». كان ذلك يزعجني ويبدو سخيفاً، خصوصاً لأن القليل من الذين اختاروا «الأخلاق» كانوا من أصل يهودي فعلاً، بل أبناء أولياء غير كاثوليك. لكن المادة كانت توقظ شرارات فضول في روحي. في حقيقتها، لم أعد أؤمن بما علّمتني إياه جدتي الكاثوليكية ولا والدي الليبرالي. كان عليّ أن أبحث عن طريقتي بنفسي، وكان هذا يثير لديّ حماسة متكررة. كان موقفي تجاه المسألة الدينية نوعاً من الشكّ وحاولت ألاّ أنفي أو أؤكّد شيئاً لا تدعمه عقليتي. لكني احتفظت ببعض العناصر الميتافيزيقية المتأصّلة التي لم أجرؤ على التشكيك فيها، مثل وجود الله ذاته وبطريقة ما خلود الروح وأولوية كل خير على كل شر.
قراءات مستمرة أخذتني إلى معرفة إلى حد ما البانثيون اليوناني والروماني وبخاصّة المصري الذي شعرت نحوه بانجذاب شبه عقلاني. كانت تأملاتي تُظهر لي أن الأمر كله يتعلق بنوع من الذوات الإلهية التي تتجسّد في أشكال وسمات جغرافية وتاريخية محمّلة بصفات شعبية أو ثقافية تفرض أماكن وأزمنة. وهذا يقودني طبعاً إلى رؤية المسيحية كصيغة أخرى من الإيمان، عابرة كسواها.
عادات عائلتي جعلتني أتلقى القربان والتثبيت (Comunión وConfirmación)، لكني فعلت ذلك بنفس الفراغ الداخلي الذي فعلت به أموراً كثيرة. عالميّ الداخلي انفصل شيئاً فشيئاً عن محيطي. دون احتجاج، بهدوء لكن بلا رجعة.
عندما انتهت الحرب العالمية الثانية، وبعد هزيمة دول المحور، انقلبت ميولاي القديمة من تأييد الحلفاء إلى عكسها، ودفعتني الهجمات المرتدة لفون رونشتدت إلى نشوة. قلّة الذين قاتلوا ضد كثيرين كانوا يوقظون فيّ لُبّاً مخفياً ويجعلونه يرنّ بقوّة. أصبحت الموضوعات العسكرية وحب السلاح حية فيّ. ما سأطلق عليه لاحقاً «غرائز القوة» استيقظت، وبالمقابل وبشروط معينة في الكشف عن الجنس اخترت بلا نضال العفة المطلقة، ليس من منطلق أخلاقي بل رفضاً لما اعتبرته علامات حيوانية وابتذال. مفهومي عن القوة والعفة كانا لا يفترقان. وعندما كان يُشار إلى أن ألكسندر لم يكن بالضرورة عفيفاً، لم يكن ذلك يزعجني، لأنني فكرت إلى أين كان سيبلغ لو كان كذلك. لكن هذا التطور المشدود والطبيعي سيواجه زلزلة من نوع ما. ذلك ما أنهى مراهقتي وما يمكن تسميته شبابي الأول.
كنت قد بلغت الخامسة عشرة.
Tercera parte: Mi juventud (I)
كان عيد ميلادي الخامس عشر أحد أكثر أيام حياتي حزناً، على الأقل هكذا أذكره الآن. تراكمت عوامل عدة: أولها أن والدي، القوي الضخم، بدأ ينهكه مرض أن الأطباء ألمحوا أنه لا شفاء منه، نوع من اليوريميا-اللوكيميا. وثانياً، إدراكي أنني قد دخلت عالم البالغين. كانت المزح المعتادة ومفاتيح بيتي وسيارتي التي أصبحت تحت تصرفي منذ ذلك الحين مع تصفيق ضعيف من أسرتي الصغيرة المتحمّسة، تبدو لي مسخرة بلا معنى. إنني إذا لم أكن أعتزم تغيير طريقتي في الحياة أو «الهروب» إلى أي مكان... فلماذا أريد مفاتيح البيت؟ أما السيارة فكان لدينا سائق وبخلاف عدم كوني بالسن القانوني لرخصة القيادة، لم يُحرَم عني استخدامها.
بما أني أصبحت «راشداً» أُوكلت إليّ بالكامل مسألة احتمال موت والدي القريب إلى حد ما، ودفعتني الرجولة التقليدية لعائلة إيطالية في تلك السنوات إلى تحمّل مسؤوليات والاستعداد لأن أكون «رجل البيت».
أول ما فعلته استخراج رخصة قيادة متجاوزاً الاختبار بسهولة، وهو أمر لا يزيّن من كان يقود السيارات منذ الطفولة. ثم كرّست نفسي بعقل بارد لتحضير أمي وجدتي وسائر نساء العائلة لحضور عذاب والدي الطويل المؤلم بلا زيادة يأسهن بالبكاء. لا أعلم ولا سألت آنذاك من أين أتت تلك القوة الهادئة الخارجية التي منحتني منظراً ناضجاً نفسياً وحتى بعض الازدراء «السخرية» أمام المشكلة الكارثية التي كنّا نعيشها. أعتقد اليوم أنها كانت حاجة بدائية للبقاء في مواجهة الشدائد، لكني لم أكن واعياً لذلك حينها، ولا أنا متأكد تماماً حتى اليوم. هل تلقيت «معونة» من «أصدقائي غير المرئيين»؟ ربما.
مع تقدم عام 1946 أصبح وضع والدي فعلاً في حالة احتضار. كان يعاني أشد المعاناة وفي اللحظات القليلة التي نجى فيها بفضل المسكنات والأدوية من الوعي الكامل، كان يقضيها معي نلعب الدومينو أو يشرح لي مسائل رياضية صعبة جداً كان يتلذذ بها. موضوع موته القادم لم يتطرق إليه مباشرة أمامي، لكنه كان يتحدث كما لو كنا نعرف نحن الاثنان ذلك بلا ريب.
لئلا أضيف عنصراً آخر من الصراعات في البيت لم أقطع دراستي، لكنني لم أكترث مطلقاً لبكالورياي أو لمستقبلي الشخصي.
رأيت والدي يعاني إلى حد أنني لم أعد فقط أقبل أنه سيموت بل تمنيت أن يحدث ذلك في أسرع وقت. أصبحت بارداً وعيناي جافتان في معظم لحظات الحزن التي أحاطت بنا، وسط الصراخ والبكاء والرائحة المستمرة للمستشفى التي استولت على منزلنا. بدأ كلبي الذئبي الذي وهب لي طفلاً يُدعى رِن-تين-تين وكنت أناديه رِنتي ينعق ليلاً مُحدثاً رعباً. بصدق أقرّ أني جعلته يصمت مرات أكثر من مرة بركلة. قوة جديدة نمت بسرعة مذهلة فيّ وقدرة ملحوظة على إخفاء مشاعري وسحقها في داخلي.
في إحدى الليالي، أخيراً، لم يقوَ جسد والدي الضخم وتحطّم إلى جلد وعظم ولم يَصمد؛ وفي الفجر بدا أنه مات بلا وعي. كانت الصدمة العائلية هائلة. بقيت عيناي جافتين وأديت أمنية والدي المتوفى الكبرى: أن أتصرف كرجل في الشدائد. أقول ذلك بلا كبرياء لأن القيام بهذا الدور كان طبيعياً جداً بالنسبة لي.
في 4 حزيران/يونيو 1948 كنت في العربة الأولى التي ما زالت تجرها الخيول التي رافقت جثمان والدي إلى المقبرة؛ إلى ضريح العائلة العظيم من الأونيكس الأخضر. حضرت قداس «إن كوربور إينسبولتو» بموقف يشبه مشاهدة مسرحية. كنت لا زلت لا أعلم... لكنني أصبحت ملحداً تماماً.
التغيير الداخلي الذي حصل فيّ كان رهيباً واحتجت بعد أسابيع إلى رعاية طبية لأعصابي لأنني فقدت الرغبة في الأكل والنوم.
تعافيت وتركْت دراستي. أصبحت منعزلاً وكئيباً. جالساً على مكتب والدي أعدّ أوراقه المخططة متعددة الألوان وكراساته المليئة بالمعادلات الرياضية لساعات، أو خلف عجلة السيارة السوداء الكبيرة في كراج البيت، كانت تردّد داخلياً أن الورق أو الجلد قد دام أطول من والدي. بدأت أشعر بالازدراء وأسخر بصمت من المعتقدات الدينية العائلية. آنذاك بالنسبة لي، كل شيء ينتهي بالموت. لم أشعر بالقلق بل يأس مكتوم قبلته كجزء من قدر الوجود الغبي. كنت مقتنعاً بشدة أن كل شكل ديني هو مجرد هروب من الواقع الأكثر أهمية. بالنسبة لي الوحيد آنذاك: كل شيء ينتهي بالموت؛ لا يوجد إله وأن الأخلاق مجرد شكل من أشكال الأناقة.
Mi juventud (II)
دون أن تتغير معتقداتي الحديثة، بدأ تحول سريع ذا جذور عميقة ينمو فيّ. موت والدي تركني «مبتوراً» لكنه في الوقت نفسه فتح لي أبواب الحرية على مصراعيها.
استغليت الصيف للذهاب إلى مزرعة بعيدة عند أحد أعمامي من جهة الأم. هناك تعلّمت ركوب الخيل فعلاً وأبرعت في استخدام أسلحة الصيد والدفاع. أحبت الوحدة، لكنها لم تعد تلك الوحدة المتأملة لطفولتي الهادئة، بل كانت تلك التي يشعر بها الفارس على ظهر حصان قوي يهرول بلا وجهة عبر بامباس شاسع منعزل. مئات المغامرات الصغيرة قاسية قست جسدي وروحي... رغم أن المصطلح الأخير في ذلك الوقت لم يكن في حسابي.
بعت السيارة السوداء الكبيرة واشتريت كوبيه-كلوب فورد V6 ذات كاربراتورين شاركت بها في تدرّبات سباق و»راليات». كنت أحب الخطر. أذكر أن أحد تدريباتي كان أن أمر بالسيارة، بسرعةٍ عالية، فوق جسر سكة حديد بلا حواجز على الجانبين، واضعاً العجلات فقط فوق السكة المعدنية الزلقة. لكن حظي ومهارتي حالا دون وقوع حادث. كذلك مارست التجديف الرياضي وأحياناً الإبحار. أحببت «الضياع» وحيداً في متاهة قنوات إل تيغري، المكان القريب من بوينس آيرس حيث يصبّ نهر بارانا في ريو دي لا بلاتا في دلتا معقّدة.
من المدرسة الثانوية التي لم أواصل دراستي فيها استخرجت بعض رفاق المغامرات المحتملين، شباب من ذوي الوضع المادي الجيد وعاطلون كما أنا. قدّموا لي عالماً جديداً: عالم الموسيقى الرفيعة غير الشعبية. «كونشيرتو في وارسو»، «لوحات من معرض»، قاداني بعدها إلى غمرات عميقة في بيتهوفن وفاغنر. كنت أقضي ساعات أستمع إلى الأسطوانات. كما قمت بدخولات قصيرة في المنظمات الشبابية القومية وأسست «CADEL»، المركز الأرجنتيني للطلاب الأحرار، الذي سيجمع لاحقاً آلاف الأشخاص. اكتشفت أنني منظم ومروّج جيد، بقدرة عمل وتركيز هائلة حول نقطة أو نواة جهد. كنت أأكل قليلاً وأنام قليلاً. شيء كان يتخمّر عنيفاً فيّ، لكني في ذلك الوقت لم أشكّ أبداً فيما يمكن أن يكون.
كان البيرونيسم قد وصل إلى ذروته في الأرجنتين وإذا كانت أشكاله الخام واليسارية الممزوجة بقومية مهينة تُثير اشمئزازي، فقد جذبني روحه التحدّية للعالم. لم أدخل أي حزب سياسي أبداً، لكنني تعاونت مع الاتحاد العام للعمل (CGT) على مستوى جامعي في خطط عقارية للعمال. فشلت تلك الخطط، لأن العمال، غير المُعَدّين مسبقاً، كانوا يرفعون أرضيات خشب من بيوتهم لإشعال حفلات الشواء.
بعد محاولة تجارب عديدة في بضعة أعوام وتغيّر عميق داخلياً، قررت تقديم الامتحانات المتبقية لدخول الجامعة في كلية الطب.
مع قلة من رفاقي اكتشفت أيضاً عالم الكتب الرائجة بين الشباب. قرأت كافكا وسارتر، ماركس وهتلر، كانت وماكس شيلر. لكن رغم اهتمامي ببعض النقاط، لم يقنعني أي من هؤلاء كليّاً لأنني كنت أراهم ينطلقون جميعاً من «افتراضات مسبقة» تبدو لي خيالية جداً وقليلة الإسناد، فتعود في نهاية المطاف بعد ترديدات طويلة إلى نقطة البداية نفسها التي كانوا مقتنعين بها قبل أن يبدؤوا تفكيرهم. بدت لي تلك «دوائر مغلقة» من الحجج والتأكيدات رديئة وبدون حقيقة قابلة للاختبار. فضلت الرجوع إلى قراءاتي القديمة من الشعر والأدب والرواية التي على الأقل كانت تُرضي حاجتي للمغامرة.
لأنني كان عليّ إجراء امتحانات في اللغات ووجدت صعوبات كبيرة في الإنجليزية قررت أن أأخذ دروساً لدى أستاذ خاص. وكان ذلك سيحملني بين ذراعي قدري... لكني لم أكن حينئذ أدرى.
مدرسي الإنجليزي اتضح أنه ألماني يُدعى شميدت، مسنّ قصير ممتلئ بابتسامة ثابتة وغامضة، قال إنه عاش في التبت وتجول كثيراً في حياته. ذلك جعله جذاباً منذ الوهلة الأولى، لأنه انسجم تماماً مع أحلامي بالرحلات إلى بلدان غامضة وعيش مغامرات خطرة.
ذات ظهر دخلت إلى منزله المحول إلى أكاديمية لغات لأبدأ الصفوف رسمياً، لكنلدهشتي لم يلجأ إلى الكتب المعتادة، بل قدم لي مخطوطات ضخمة مكتوبة بالسنسكريتية والتبتية. كان يترجم تعاليمه لي بالإنجليزية والإسبانية وفي ساعات قليلة تحدّث عن أصل الإنسان والتناسخ وأشياء غامضة أخرى. ليظهر لي ما هو «مايا» أرسلني لألمس قَلَماً رأيته على مكتبه، فلما وضعت يدي لم أجده. ذلك العالم العجيب جعلني ألتقي بكينونتي الداخلية وعندما خرجت من بيته كنت إنساناً آخر. لم أكن أدرى ذلك أيضاً، لكن من هناك وُلد ما تسمّون الآن «JAL».
Mi juventud (III–XVI)
الأقسام المتبقية من السيرة (شباب III حتى XVI) تواصل سرد تعلم ليفراجا الباطني مع الأستاذ شميدت، وانضمامه إلى الجمعية الهرمسية (التيوسوفية)، وبناءه «قُبّة» مصرية في سرداب منزله، مراسلاته مع جيناراجاداسا وسري رام (رؤساء عالميون للجمعية)، ممارساته في الانقسام والكيمااء الروحية، إغلاق المدرسة الباطنية في 1950، وفي النهاية توجيه سري رام بإنشاء حركة جديدة منفصلة عن الجمعية. وبذلك، باع ليفراجا سيارته، أطلق مجلة «Estudios Teosóficos»، وأسس نيو أكروبوليس في سن السابعة والعشرين، مع أول مجموعة مكونة من 12 شخصاً في بيت أمينابار 863 في بوينس آيرس.
شبابي كان وراءي وولد ما تعرفونه الآن باسم «JAL». لماذا أروي لكم المزيد؟ لم أقل كل ما حدث في تلك السنوات الأولى... لكن ما سردته لكم صحيح، بسيط وبكل بساطة صحيح. أترك للآلهة مسؤولية الرحمة على روحي إن أخطأت. وإذا لم ترحمني الآلهة، فلا فرق لدي. نيو أكروبوليس في مسيرتها...؛ في عامها السادس والعشرين الانتصاري، ترفع نسورها الشمسية على أكثر من 80 مقراً في 34 بلداً. لدي تلاميذ ممتازون وآلاف الشباب يعملون من أجل المثُل ويهتفون باسمي. أيمكنني أن أطلب أكثر؟ أظن لا؛ عملي يكاد يكتمل وما تبقّى من حياتي الجسدية يخصّ المثُل تماماً. سامحني إن لم أخبرك بكل شيء... أنا ابن السرّ وإليه أحيل... إلى السرّ العظيم: لماذا وكيف نحن، الأكروبوليون، سنغير التاريخ لنصوغ عالماً جديداً وأفضل.
— ألميناس رقم 1-18. خورخي أنخيل ليفراجا